الفصل الأول
قصة غرام
ولكن ليس هذا كل الغرام؛ فإننا نغرم بالمجد، ونغرم بالفن، ونغرم بالفلسفة، ونغرم بالطبيعة و … جاءني سكرتير التحرير وقال: إن القراء يشكون لأن قصصك لا تحوي غرامًا، وبعضهم يقول: إن الغرام أساس القصة. قلت: ولكن جميع قصصي— تقريبًا — تحوي غرامًا.قال: أعني الغرام بالمرأة؛ أي الحب بين الرجل والمرأة. قلت: ولكن ليس هذا كل الغرام؛ فإننا نغرم بالمجد، ونغرم بالفن، ونغرم بالفلسفة، ونغرم بالطبيعة، و … قال: ولكن غرام المرأة؟ قلت: إذا كان الغرام بالمرأة سيشغلنا عن الغرام بالمجد فإننا يجب أن نؤثر المجد على المرأة. قال: ألم تقل في إحدى مقالاتك إن الحب يجب أن يكون الأساس للزواج؟ قلت: هو كذلك، وأيما أساس آخر للزواج؛ كالمال أو الوجاهة، هو أساس من رملوهو في حروبه « نابليون » ينهار عليه بناء الزواج، ولكن اسمع، هل يمكنك أن تتخيل وبرامجه لتغيير الدنيا وتأليف المستقبل، يقعد إلى مكتبه كي يكتب خطابًا غراميٍّا لحبيبتهيبيِّن لها مقدار ما سحره جمالها، ويصف لها عينيها وأنفها وشفتيها وصدرها؟ أو هل يفعل ذلك؟ « تولستوي » يمكنك أن تتخيل قال: أنت تتحدث الآن عن حب العظماء الذين أغُرموا وعشقوا فكرة أو هدفًا، فهلتعتقد أن القراء يحبُّون أن تصف لهم مثل هذا الغرام أو العشق؟ أظن أنهم لن يكترثوا به!
والممثلة « برنارد شو » قلت: ولم لا؟ ألا تعرف قصة الحب بين الأديب الفيلسوف لقد نُشركتاب قبل سنوات يحوي الخطابات التي تبودلت بينهما عن ؟« ألن تري » الرائعة حبهما مدة سنوات، وكان أعظم ما يلفت في هذا الحب أن الحبيبين لم يكونا يلتقيان؛ فقديقصد إلى دار التمثيل ويقعد على مقعد أمامي، ويراها كل ليلة وهي « برنارد شو » كان تمثِّل، فإذا عاد إلى منزله قعد إلى مكتبه وكتب إليها خطابًا يُسِرُّ إليها فيه باختلاجاته وارتعاشاته. وهنا ضحك سكرتير التحرير وقال: هذا حب في الهواء. فقلت: ولكن هذه الخطابات لم تكن كلها اختلاجات وارتعاشات؛ إذ كانت تحوي أيضًا الحكمة والفلسفة والفن. قال: ولكن، لماذا لم يكونا يلتقيان؟ قلت: استبقاءً للحب؛ حتى لا ينطفئ باللقاء، وحتى يغذوه الخيال فلا يفسد أو يفتر بالواقع. قال: ولكن، هل هذا يطاق؟! قلت: إن ها هنا موضوعًا للتحليل، واعتقادي أن الحب يفتر، وقد يموت بالإسراف فيالبعد كما يموت بالإسراف باللقاء؛ بالاثنين، وأظن أن حبهما مات وإن لم يُفهم هذا من رسائلهما. فتململ سكرتير التحرير وقال: نريد قصة تحتوي غرامًا، ودعك من هذه الفلسفة؛نباتيٍّا؟ وهل ننتظر من رجل لا يشتهي أكل اللحم أن يشتهي حب « برنارد شو » ألم يكنالمرأة؟! كان نباتيٍّا أيضًا، وتزوج عن حب، ولكنه « غاندي » قلت: إنك أذكرتني الآن؛ فإن عندما بلغ سن الرابعة والثلاثين انفصل عن زوجته، وصار ينام وحده في غرفة أخرى. قال: ولماذا؟ قلت: لأنه رأى أن يتزوج الهند، وأن يُغرم بالإنسانية، وأن يَأرق في الليل فيذكراستقلال الأمم ومكافحة الاستعمار، أليس في هذا الغرام ما يعلو على الغرام بين رجل وامرأة؟ قال: ولماذا لا يجمع بين الاثنين؟ قلت: لأنه لا يستطيع أن يعبد ربَّين ويصلي في معبدين. شاذ. « غاندي » قال: ولكن
ذقلت: إنه فذ، وعصرنا بمشكلاته العديدة وما تجرُّ في أثرها من كفاح واستمتاع،يغرينا بالحب للإنسانية، ويطالبنا بالأفذاذ، ونحن نحس أن وجودنا يتزايد بهذا الحبأكثر مما يتزايد بالحب للمرأة؛ لا، بل إن اهتماماتنا الإنسانية وانكبابنا على الدرسوالكفاحيرتفع بنا إلى درجة من النضج تجعلنا نحدد ونقيِّد استمتاعاتنا بالحب للجنسالآخر، ألم ؟« هافلوك إليس » تسمع عن ؟« هافلوك إليس » قال: وماذا في قلت: إنه رجل أرصد نفسه للفلسفة والعلم، وقد أخرج في بداية هذا القرن نحوأربعين مؤلفًا في مختلف العلوم، ولم يكن يؤلِّفها، وإنما كان يرأس تحريرها ويوجهمؤلفيها، وكان يهدف من ذلك إلى أن يصوغ الذهن الأوربي كي يفكر التفكير العلمي،وقد نجح، ثم هو أيضًا أول رائد للبحوث الجنسية وتشريح الحب أو تأليفه، ومؤلفاته حجَّة لمن يدرسون هذه الموضوعات. فقال سكرتير التحرير: وأين كل هذا منضرورة احتواء القصة للحب؟! قلت: انتظر قليلًا؛ فإنه قبل نحو سبعين سنة عرف امرأة تشير إلى ضوء الفجرالجديد، وتدعو إلى مجتمع علمي، فأحبها وأحبته؛ أحب كل منهما عناصر الارتقاء في الآخر. قال: وهل سعدا بالحب؟ إلى ما « هافلوك إليس » قلت: سعدا بالحب والزواج بضع سنوات قليلة، ثم انتهى .« غاندي » انتهى إليه قال: وعاش في غرفة أخرى ينام فيها وحده؟ قلت: لا، فعل أكثر من ذلك؛ إذ هو اختار مسكنًا غير المسكن الذي كانت تقيم فيه زوجته. قال: هل كان هذا عقب الطلاق؟ قلت: لا، لم يحدث بينهما طلاق؛ فإنهما كانا على حب متين، ولكن لأن لكل منهماشخصية فذة، ولأن لكل منهما اهتمامات إنسانية وعلمية واجتماعية تستغرق الوقتالعظيم والجهد المتواصل، فإنهما انفصلا كي يجد كل منهما الحرية التامة في مواصلة عمله وتأدية رسالته. قال: وهل يمكن أن يسمَّى هذا زواجًا؟ قلت: كانا يجتمعان شهرًا أو شهرين كل سنة.
ما دامت هذه أفكارك عن الحب والزواج فلن تستطيع أن تكتب قصة. قلت: ليست الدنيا قصصًا، إنما الدنيا كفاح ورسالة، ومع ذلك، سأكتب لك قصة تحوي غرامًا وزواجًا. قال: وكيف ذلك؟ طالبًا في كلية العلوم في السوربون « أندريه أوجست » قلت: هاكَ خلاصة القصة: كان في باريس، وكان البحث العلمي يستوعب كل وقته في النهار والليل، لا يكاد يجد فياليوم كله سوى خمس أو ست ساعات للنوم، وتخرَّج في السوربون، وأسَّس معملًا صغيرًاللتجارب في الدجاج والفئران والديدان، وكان هدفه أن يصل إلى الغذاء الذي يجدد الأنسجةفيطيل العمر، كما يقي من المرض، وبعد آلاف التجارب نجح في الاهتداء إلى هذا الغذاء،وفي يوم نجاحه غمره الهوى حتى صار يرقص! أفلا تعترف معي بأن هذا الغرام بإيجاد غذاء يأكله كل الناس وتزيد أعمارهم به إلى الضعف خير من الغرام بالمرأة؟ قال: أجل، خير ألف مرة. كان مع غرامه هذا بالعلم قد تعرَّف إلى « أندريه أوجست » قلت: ولكن اسمع، فإن فتاة، وكانت تزوره وهو بالمعمل، ولم يكن يلتفت إليها أيام بحثه قبل اهتدائه إلى الغذاءالمضاعِف للعمر، أما بعد ذلك فقد شرع يرفِّه عن نفسه؛ فصار يزور الملاهي معها، ويجالسها ويتحدث إليها كثيرًا، وأعادت إليه شبابه المنسي فأغُرم بها. قال: هذه طوالع حسنة للقصة؛ قصة بلا حب للمرأة ليست قصة. كان قد فكَّر كثيرًا في الانتفاع بهذا « أوجست » قلت: ولكنك لم تستمع إلى آخرها! فإن الغذاء، وكان يجد في أزمة العالم الحاضرة أن غذاءه الرخيص الذي يمكن أية عائلة فيالعالم أن تطبخه وتأكله، هذا الغذاء لا فائدة منه ما دام العالم يحارب ويقتل بعضهبعضًا؛ وخاصةً عندما نعرف أن الحرب القادمة قد تقتل ربع البشر أو نصفهم، ولهذاالسبب أعلن عن غذائه، وشرط أنه لن يفضيبالسر الخاص بتركيبه إلا للأمة التي تقدِّم البراهين العملية على أنها لا تنوي الحرب ولا تستعد لها. فقال سكرتير التحرير: هذا رجل عظيم! وقلت: لما أَحبَّ هذه الفتاة جعلت تغريه بجمالها كي يفشي لهاسرالغذاء، ولم يكنقصدها سيئًا، وإنما هي شهوة الاستطلاع العلمي فقط، وأفشى لها السر؛ للحب الوثيق بينهما.
فقال: وماذا فعلت به؟ قلت: كانت هذه الفتاة تنتمي إلى الأمة التي تتهيأ للحرب، فحملتها وطنيتها على أن تفشي السر لرجالها. قال: أعوذ بالله! وماذا فعل هو؟ أن سر الغذاء قد عرفته الأمة التي تنوي الحرب « أندريه أوجست » قلت: لما عرف انتحر!
الفصل الثاني
أعظم المخدرات
إن أسوأ المخدرات هو النجاح المبكر، أنت سكران بنجاحك، إني أدعو لك بالفشل! لما عرفتُه، قبل سنتين، أحببتُه؛ ذلك أنه كان يمتاز بشخصية انبساطية؛ يتحدث ويضحك،ويرى الدنيا مفروشة بالورود، وكان يجمع إلى الشباب شيئًا من الوسامة، وكان قدحاول الكسب وهو لا يزال طالبًا في الجامعة بالكتابة إلى الصحف الأسبوعية، ونجح فيمحاولته، وكان يكتب الأخبار التافهة الصغيرة التي تحتاج إليها المجلات ويتقاضىعليها نحو ثلاثين جنيهًا في الشهر. وكنت أكفُّه عن هذا النجاح الذي أصبح عادته، ولكنه طغى في نجاحه، حتى قلت له ذات مرة إنه يتناول أسوأ المخدرات! قال مدهوشًا: أنا؟ أنا لا أعرف المخدرات! فقلت: يا عاطف، إن أسوأ المخدرات هو النجاح المبكر، نجاح يرافقه شباب ووسامة. فقال: هل تطلب لي الفشل؟! قلت: نعم؛ أنت سادر، أنت سكران بنجاحك، إني أدعو لك بالفشل. فقال ضاحكًا: إن شاء لله أنت! كان هذا قبل سنتين، وكنت أتابع نجاحه وأنا في أسف عليه، ثم تخرَّج في الجامعة في يونية الماضي، وأحس قوة جديدة زادت طغيانه في النجاح، فوثب وسقط. وأسوأ ما في النجاح المبكر أنه يعوِّد صاحبه الإقدام، ثم التهور! فإن عاطفشرع منذ بلوغه الثامنة عشر يغزو قلوب الفتيات، بلا رحمة ولا تبصُّر،وكانت له معهن ميزتان: السخاء والدموع؛ فإن المرأة تُعجب بالقوة، والسخاء من أعظم
مظاهر القوة؛ فإنه كان لا يبالي أن ينفق مع الفتاة التي يدعوها إلى التنزه معه نحوخمسة أو ستة جنيهات في اليوم، وكان له أسلوب في إخراج النقود وإلقائها على المائدة،كما لو كانت شيئًا تافهًا، وكان يتفضَّل على خادم المطعم بنحو عشرين قرشًا فوق الثمن، يدفعها إليه كما لو كانت ثلاثة قروش، وكان هذا السلوك يسحر الفتيات. وفوق ذلك كان له أسلوب قاتل في الدموع. وقد أخبرني هو كيف وقع على هذا الأسلوب؛ فقد قال لي إنه كان يلعب وهو فيالعاشرة مع صبيِّة من عائلة مجاورة، وكانت تأكل بعض الحلويات، فرغب إليها أنتعطيه منها، فأبت عليه فبكى، وتأسَّفت الصبية حين رأت دموعه، وحَنَت عليه وأعطته الحلوى كلها. واستقر عند هذا الأسلوب؛ أسلوب أطفال، ولكنه أسلوب قاتل؛ فإنه كان عندمايجد جمودًا أو نفورًا من إحدى الفتيات يبكي، وكان البكاء يغمر وجهه فتحمرُّ وجنتاه،وتنهمر دموعه ويتشنَّج، ووجد بالتجارب أنه ليست هناك فتاة تستطيع مقاومته وهو في هذه الحال. وليس هذا غريبًا؛ فإن كل فتاة أمٌّ بطبيعتها، وهي تلعب بالعروس وتحتضنهاوهي لا تزال طفلة؛ أي تلعب بالأمومة، ولذلك يمتزج الحب عندها بالحنان، وهي تعامل حبيبها كما لو كان طفلها وهي أمه! وكان عاطف من ذلك الطراز الانبساطي الذي يذوب؛ يذوب فرحًا فيضحك كأنه سينفجر، ويذوب أسفًا حتى تبلله الدموع، وكان يعرف، بالتجارب العديدة، أنه ليس شيء أفعل من رحيق الحب عندما يمتزج بملح الدموع في القبلة الحارة، وبذلك كثرت ضحاياه. وهذا هو الذي جعلني أدعو له بالفشل؛ فقد كان خطره كبيرًا على الفتيات، كما كان الخطر عليه هو نفسه كبيرًا أيضًا؛ إذ هو كان يحيا وهو سكران بهذا المخدر القوي: النجاح الدائم. وحدث هذا العام ما تمنيت له، ولكن بصورة أبشع وأفظع مما تمنيت! فإنه عرف فتاة طردته لأول لقاء، ولكنه سلَّط عليها ثلاثة أسلحة: الشباب والسخاء والدموع، فوقعت، وكان وقوعها عظيمًا؛ إذ حملت، ولم يعرف عاطف في كل مغامراته الماضية مثل هذه الكارثة، وقصد إلى الأطباء في القاهرة يساومهم على إسقاط الجنين،ولكنهم رفضوا، وفكرت الفتاة في الانتحار، وأحس عاطف بجريمته، وجعل يخفف عنها، ويمنِّيها بإسقاط الجنين، وبالزواج منها.
وسافر إلى طنطا، وهناك وجد من الأطباء مَن قَبِل إجراء العملية بخمسين جنيهًا، وخرج الاثنان من القاهرة في الصباح التالي إلى طنطا، وبعد أقل من ساعتين كان الطبيب يرتكب جريمة الإجهاض التي أتَّمها بعد أكثر من ساعة من العذاب للفتاة المسكينة. وعاد الاثنان إلى القاهرة حوالي الظهر، وودَّع عاطف الفتاة عند باب منزلها، وتجنب السؤال عنها توقيًا للشبهة، ولكنه بقي سبعة أيام وهو يتقلب على نار من القلق. وذات صباح وهو يتصفح الجريدة قرأ نعيها؛ ماتت من عملية الإجهاض، أو من آثارها! ولقيتُه بعد هذا الحادث بنحو شهر، وقد هزل وشحب، وكنت قد عرفت الخبر، فكان أول ما قلت له: كان أولى أن تموت أنت! وجعل يحدثني ويهذي عن الانتحار، فقلت له: اسمع يا عاطف، كنت أتمنى لك فشلًا يوقظك من نشوة الانتصار، ولكن شاءت الأقدار أن تسفك الدم، أو تشترك في سفكه حتى تستيقظ؛ أنت مجرم! وقعت هذه الجريمة منذ خمسة شهور، ولم أره منذ ذلك اللقاء المؤلم الأخير، ولكني لم أنقطع عن السؤال عنه، وعرفت أن أم الفتاة قد أصيبت بالفالج، وأنها تلزم السرير منذ وفاة ابنتها. أما عاطف فقد تغير؛ فإنه لم يترك بيته، بل غرفته، هذه الشهور الثلاثة الأخيرة؛ فقد زهد الدنيا، والنجاح، والحب، وهو لا يزال يجترُّ جريمته: موت فتاة شابة، وشلل الأم. واعتقادي أنه سوف يعيش وهو يحمل على عاتقيه هذين الوزرين الثقيلين، ولا بد أيضًا أنه سيقلع عن أسلوبه القديم. ولكن ما منفعة ذلك الآن؟ هل يَصلُح إنسان بموت إنسان آخر؟!
الفصل الثالث
أحسن أم
الإنسان الذي لا يعتقد أن أمه أعظم امرأة في العالم لا يعد إنسانًا حسنًا؛ إن كل أم امرأة عظيمةٌ عند أبنائها. كان الدكتور شوقي يقول لي إن أمه أحسن أم في الدنيا، وكنت أقول له إنه يقول ذلكلأنها ماتت، ونحن نُكبِر في العادة من فضائل الموتى، وننسى تقصيراتهم أو نقائصهم،ولو كانت أمه حيَّة لكان في الاحتكاكات السيكولوجية اليومية ما يجعل أمه مثل سائر الأمهات؛ لا تزيد ولا تنقص. وكان صديقي شابٍّا في السادسة والعشرين، قد تخرج في كلية الطب قبل ثلاثسنوات، وتزوج في السنة الماضية، وبعد زواجه بنحو ستة شهور ماتت أمه، فأصبحت كأنها من القديسات؛ لها معبد في قلبه يذكرها ويصلي لها. وكان لا يفتأ يذكرها حتى كنت أسأم ثرثرته عنها، وأخيرًا قلت له كي يكفَّ عن ثرثرته: عرفت كلشيء عن أمك؛ فقد كانت أحسن أم في الدنيا؛ لأنها كانت تجيد طبخ الرز » والملوخية، وكانت تصلح الأزرار المقطوعة، وكانت تحسن غسل ملابسك وترقع جواربك، .«… و أنت لا تعرف أمي، فقد كانت تفعل كل هذا الذي تقول، » : ولكنه قاطعني قائلًا ولكنها كانت تفعل أكثر من ذلك، وأنا لا أحبها وأذكرها لأنها كانت أمي، بل لأنها كانت !« الأمومة، أتفهم هذه الكلمة؟ كانت الأمومة ونبَّهني صديقي بهذه الكلمة إلى أن الحديث جدٌّ، وأن مزاحي لا يليق.
ماتت أمي في نحو السبعين، وقبيل وفاتها بشهرين رأيتها وهي عارية، » : ثم قال وكنت قد دخلت المنزل دون أن أحُدِث صوتًا؛ لأن معي مفتاحًا للباب، وكنت متزوجًا،قد مضى على زواجي نحو أربعة شهور فقط، وكانت زوجتي في غرفتها، فكان دخوليكالتسلل لم ينبه أحدًا في البيت، وقصدت من فوري إلى الحمام لحاجة، وكان البابمردودًا، ولكنه لم يكن مقفلًا، فلما دفعته انفتح ورأيت أمي في الطست الكبير، وكانتتستحم بالماء الساخن الذي كانت تحبه، وكانت قد غمرت رأسها ووجهها برغوة الصابونفلم تحس بفتح الباب ولم ترني، وكانت قد هزلت؛ لأن مرض السكر كان قد عاث فيهاوحطَّمها، وكانت ترفض حقنة الأنسولين، فوقفت أتأملها وأتذكر تاريخها معي طيلةعمري الماضي، وكنت أتوقع موتها بعد شهرين أو ثلاثة شهور، وأحسست كأني أودِّعها.وجعلت أتأمل ضلوعها البارزة، وثدييها الضامرين المترهلين، وشعرها الأبيض،وقفص العظام المركب منه جسمها الضئيل، وغمرني حب وحزن ولوعة، ووددت لوأجد الشجاعة وأرتمي على جسمها وأقبلها، وقلت في نفسي: لقد استهلكتها، أنا استهلكتأمي التي فنيت وهي على وشك الزوال الآن؛ فقد أعطتني كل ما فيها من دم وقوة كيأحيا وأنجح، وها هي ذي تبيد وتتبدد كما لو كانت دخانًا بعد الإشعال، وبعد شهور ستنطفئ! ثم رددت الباب في هدوء، وقصدت إلى غرفة الضيوف، فدخلتها وأقفلت عليَّ الباب،وجعلت أبكي وألطم وجهي، وكنت أفعل هذا وأنا أكتم صوتي حتى لا تسمعني زوجتي؛ لأني كنت أخجل أن تراني وأنا في هذه الحال. تهزأ وتقول إنها كانت تخيط الأزرار المقطوعة، وتطبخ الرز وترقِّع الجوارب؟ ألم .«!؟ تُفنِ حياتها في هذه الأعمال، وكل هذا من أجلي قلت وقد غمرني خجل: لم أقصد إهانة والدتك، وإنما كنت أعبث بك فقط! ولكل الناسأمهات يمُتنَ، ولكن » .« الدنيا للأحياء وليست للأموات، ويجب أن ننسى حتى أمهاتنا ونحيا حياتنا ولكن كلماتي لم تخفف عنه، فإنه مسح الدموع عن عينيه بيده المرتعشة وتنهد، ثم قال: كنت وأنا طالب بالطب أجد إرهاق المذاكرة، وكنت أضيق بأقل الأصوات، وكنت » أبقى إلى كتبي وكراساتي إلى نحو الساعة الثالثة من الصباح، وما من مرة وجدت فيهاأمي نائمة قبل أن أنام أنا؛ فقد كانت تقعد في غرفة أخرى وعينها مسددة إليَّ، تنتظر
مني أية بادرة تدل على حاجة كي تنهضوتؤديها، ولم يكن يجدي طلبي إليها أن تأوي إلى فراشها. وأذكر ذات مرة في حوالي الساعة الثامنة من الصباح، نهضتُ من مقعدي وأنامحطَّم القوى كاره للمذاكرة، وكان هذا من أثر التعب والجهد، فقمت أذرِّع البيت ذهابًاوإيابًا للانهيار العصبي الذي غمرني، وكانت أمي إلى جانبي تروح وتجيء معي، وهيلا تنطق، ثم عدت إلى مقعدي، وعادت هي إلى مكانها ترقبني، ولكنها لم تجلس، بلبقيت واقفة كأنها الديدبان، ولم تترك مكانها حتى آويتُ إلى فراشي، ووثقتْ من أني قد .« نمت واستغرقت في النوم ثم نظر إلى سقف الغرفة وجعل يتأملها، أو يتأمل ذكرياته عن أمه والتفت إليَّ وقال: لما نلت شهادة الطب وأصبحت دكتورًا كان فرحي بنجاحي دون فرحها؛ فقد » كأنها طفل، ومنذ الأسبوع الأول لنيلي شهادة « وتزأط » كانت تضحك ضحكات هستيرية الطب شرعت تبحث لي عن زوجة، وكنت طوال السنوات العشرين الأخيرة من عمرهاأواليها بحقنة الأنسولين؛ لأنها كانت مريضة بالسكر الذي أصابها عقب وفاة والدي، .« ولكن بعد أن تزوجتُ رفضتْ حقنة الأنسولين .«؟ ولماذا » : قلت رفضتْ رفضًا باتٍّا، وقالت لي: » : قال كنت أعيش كي أراك ناجحًا، وأنت الآن دكتور متزوج، فما منفعتي لك؟ دعني » .« أموت هانئة بك، وربنا يطيل عمرك وجعلت أتوسل إليها كي تأخذ الحقنة، ولكنها أصرَّت على الرفض، وانهارت صحتها .« وماتت بعد شهور اسمع يا دكتور شوقي: كانت أمك امرأة عظيمة، ولكن اعتقادي » : وتنهد كلانا، وقلت أن الإنسان الذي لا يعتقد أن أمه أعظم امرأة في العالم لا يعد إنسانًا حسنًا؛ إن كل أم .« امرأة عظيمةٌ عند أبنائها
الفصل الرابع
لماذا تزوج؟
إنهما شاذان أو فذان؛ كلاهما يحب الحب، وقد وجد مصدر هذا الحب في شريكه. كان أصدقاؤه وأقاربه يتعجبون من كَلَفه بزوجته، وصحيح أنها كانت رشيقة مهذبة الكلمة والإيماءة، وكان بيتها مرتبًا يجد فيه الزائر رونقًا للأثاث ورقة في الهواء، على الرغم من الحر خارج البيت، كما يجد نظافة عامة، ولكن ليست كتلك النظافة المعقمة التي تجعلنا نذكر الصيدليات. كان في بيتها فن، وكان زوجها يعود إليه، إلى بيته، من مكتبه، وهو في لهفة؛ كأنهقد غاب عنه عامًا، فإذا دخله لا يتركه إلا في صباح اليوم التالي، بل إنه كان يتأفَّف من .« بهجة » الزائرين له؛ كأنهم كانوا يشغلونه عن حبه المسرف لزوجته وكانت بهجة تعرف فيه هذا الحب، وتضحك منه في فرح، وكانت قد تعودت منهنزوات، لم يكن فريد، زوجها، يخجل من إبدائها حتى أمام الغرباء من الزائرين؛ فقدكان يهبُّ منتفضًا من كرسيه فيقصد إليها ويغمر وجهها بوابل من القبلات، بين ضحك الزائرين وتعجُّبهم. وكنت كثيرًا ما أداعبهما وأقول إن هذا الكلف مفسد لهما، وأنه يجب أن يخرجا منهذا النشاط المحدود إلى نشاط أوسع؛ أي يجب أن يخرج فريد ثلاثة أيام على الأقل كلأسبوع كي يلتقي بأصدقائه في النادي أو المقهى، ويتصل عن طريقهم بالمجتمع، كما يجب على بهجة أن تزور صديقاتها وتتعرف إلى الأخبار والآراء. ولكن لا، كان فريد يجد في بهجة كل ما يتمنى في دنياه، وكانت هي كذلك لا يتجاوز نظرها وإحساسها فريد.
وكان الناس، من أصدقاء وجيران، يقولون إن فورة هذا الحب ستخمد بعد السنة الأولى، ولكن ها هما في السنة الخامسة من زواجهما وهما على كَلَفهما. لا يمكن أن يكون في الدنيا أسعد منهما. إنهما شاذان أو فذان؛ كلاهما يحب الحب، وقد وجد مصدر هذا الحب في شريكه. ولم تكن بهجة قد حملت، وكان شوقها إلى أن تحمل وتلد يشغل بالها بعضالوقت،ولكن لم يكن همٍّا ملازمًا؛ لأن حبها لزوجها وما تجد منه من غرام، كان ينسيها هذا الشوق. وأخيرًا حملت … وازداد تعلق فريد بها. ولما حان ميعاد الولادة قصدت إلى المستشفى؛ لأن الطبيب لم يطمئن إلى ولادتها فيالبيت، وهناك بقيت أكثر من أسبوعين وهي تحت إشراف الأطباء، وعرف فريد منهم أنولم ،« خارج الرحم » الولادة لن تكون طبيعية؛ لأن الجنين ليس في الرحم؛ أي إن الحمل يفهم فريد كثيرًا في هذا الموضوع، ولذلك كان مطمئنٍّا. وذات يوم، عقب عودته من مكتبه في الساعة الثانية بعد الظهر، قيل له في المستشفىإنه قد أجريت لزوجته عملية، وهي العملية القيصرية لشق البطن وإخراج الجنين، وأن الجنين مات، ولكن صحة الأم حسنة. وكاد فريد يجنُّ من هذه الأخبار، وقصد إلى زوجته فوجد أنها لا تزال مخدرة، وهي ملففة بعصابات من القماش حول بطنها. وحصل فريد على إجازة خمسة عشر يومًا كي يلزم سرير زوجته، وكان لا يبرح غرفتها لا في النهار ولا في الليل. وكانت كلمات الأطباء المعالجين مشجعة مبشرة، ولكن واحدًا منهم أبدى له تخوفه من أن الجرح قد ظهر فيه فساد، وأنه يخشى عاقبته. ثم فُتح بطنها مرة أخرى وقُطعت منه الأجزاء الفاسدة، وتألمت بهجة كثيرًا، ولكنها كانت تتجلَّد أمام فريد. وذات مساء، وهو نائم إلى جنب سريرها، استيقظ علىصراخها، فنهضوحاول أنيوقظها، ولكنها كانت تنظر إليه كأنها لا تعرفه، وهي في رعب عظيم، تهذي عن الوحش الذي يقف عند الباب ويريد أن يفترسها. وبعد لحظات سكنت، وكان سكون الموت. وقال له الأطباء إن صديد الجرح انتشرفي الجسم، وأن هذا هو علة هذيانها ورعبها قبل وفاتها.
ودُفنت بهجة، وكان فريد يسير خلف نعشها وهو ذاهل لا يصدق أنها ماتت، وكانإحساسه غريبًا؛ فقد كان يفاجئ نفسه وهو يقول: غير معقول، غير معقول أنها ماتت!وغمره إحساس الغيظ، وكأن هذا الموت الذي خطف بهجة منه قد دبَّره له خصمٌ يريد إشقاءه، فلم يكن يبكي، وغصَّ حلقه بالغيظ حتى صار ينفث منه الدم. ولكن بعد أيام هدأ الغيظ، وشرع يؤمن بموت زوجته، ويبكيها على المخدة صباح كل يوم. وكنا نحن، جيرانه وأصدقاؤه، نقول: إن هذه الكارثة التي نزلت به تعلو على كل مايستطيع أن يتحمله إنسان؛ فإنه سيبقى سائر عمره وهو أرمل لن يتزوج، وكنا نذكر كَلَفه بزوجته ونقول: كيف يمكن إنسان أن يعيش بعد أن زالت منه هذه السعادة؟! كنا نأسف ونحزن، ونحس أن حزنه قد فاضمن صدره وغمرنا نحن جميعًا، ولميكن منا أحد يراه وهو قادم إلى منزله يتعثَّر في بطء كأنه في جنازة، إلا ويتنهد ويذكر نشاطه السابق حين كان يعدو إلى بيته كي يلتقي ببهجة ويقبِّلها. ما أقسى هذه الدنيا! ثم كان يومٌ ما زلت أذكره؛ لأنه من التاريخ؛ تاريخ العجايب؛ ذلك أنه بعد وفاة بهجة بخمسين يومًا فقط كانت العروس الجديدة تؤانس فريد في منزله. تزوج فريد بعد أقل من شهرين من وفاة زوجته التي كان كَلِفًا بها إلى حدٍّ يُضحك الناس. وأحسسنا نحن، أصدقاؤه وجيرانه، أننا نحتاج إلى الإيضاحات والمشاورات، فكنا نجتمع هنا وهناك، عند واحد منا، ونتحدث ونعلل ونفلسف. وقال واحد منا: إنه لم يكن يحبها، إنما كان يحب حبه لها. وقال ثانٍ: إننا حين نحب امرأة إنما نخترع لها صورة في أذهاننا نتعلق بها، وهذهالصورة بعيدة من المرأة التي نحبها، ونحن قادرون على أن نخترع مثل هذه الصورةلامرأة أخرى، وهذا هو ما فعله فريد الذي سيَكْلَف بزوجته الثانية كما كان يَكْلَف بزوجته الأولى. وقال ثالث: لا، اسمعوا، كان فريد يحب زوجته ويكلف بها، وقد تعوَّد منها عاداتصغيرة تتكامل وتتجمَّع فتُحدِث له ما نسمِّيه السعادة، فكان سعيدًا طيلة زواجه، فلما ماتت شقي؛ لأنه حرم من هذه السعادة، فلم يطق البقاء بلا زواج.
وقال رابع: هذا كلام صادق؛ إن فريد لم يكن يحب بهجة بمقدار ما كان يحبالحال الزوجية التي كان يحياها معها، وكانت حالًا هنيئة، فلما ماتت سارع إلى الزواج كي يستعيد هذه الحال. وقلت أنا: أظنكم على حق هنا؛ فإن الناس يتوهَّمون أن الزوج إذا أتعسته زوجتهوشقي بحياته الزوجية معها فإنه يتمنى موتها ويسارع إلى الزواج من غيرها، ولكن هذاخطأ؛ لأن الأغلب أنه لن يتزوج سائر عمره؛ إذ هو يذكر الحياة الزوجية السابقة وينفرمن أن يعود إلى مثلها، أما إذا كانت زوجته قد أسعدته بالزواج فإنه يسارع عقب وفاتهاإلى الزواج من غيرها؛ لأن تجربته الماضية للزواج كانت حسنة، فهو يُقدِم على التجربة الثانية منجذبًا وكله أمل في السعادة والهناء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق