الأحد، 24 سبتمبر 2017

الفصول من 5 إلى 9



الفصل الخامس

ذكريات قلب



وأحست أني رجل، وأن لي شخصية، وأني مسئول؛ ألست أحب؟ ألست محبوبًا؟ أليس في قلبي سر؟! هي ذكرى لا ينساها قلبي، كما لا تزال موضوع تنهداتي كلما قعدت على عشب أو تنسَّمت أَرَج الزهر، أو هبَّت عليَّ نسمة في الصباح. لقيتها لأول مرة وهي قاعدة على مقعد مستطيل في تلك الحديقة الجميلة التي تقععلى الشاطئ الغربي من النيل، وكانت قد ابتعدت عن تجمعات الزائرين، وكانت معها كراسة تدرس فيها. وسعت بي قدماي إليها، وأنا لا أقصد غير النزهة، أتأمل العشب، وأستمتع بإنضاجالأرض، وأتنفس هواء الصباح البارد، وتأملتها قبل أن أبلغها، وأجملت النظرة إليها وأناأبطئ السير، وكانت سنُّها لا تزيد على الثامنة عشرة، وكان جمالها مصريٍّا؛ شعر أسود، وعينان وديعتان، وصدر ناهد، وأنوثة عذبة. وتجاوزتُ مكانها على الممشىالذي يكسو الرمل، ولكني أحسست في قلبي نداء إليها كأنه دوار أو حنين أو نشوة. والتفتُّ إليها فوجدتها تنظر إليَّ، فكانت لحظة من السعادة ما زلت إلى الآن أسترجعها في ذهني، وأعيد تفاصيلها، وأهنأ بذبذباتها العاطفية في نفسي. وعدت من فوري إلى مقعدها، وقعدت إلى جانبها، وبيني وبينها فرجة. وما أجمل،وما أسعد، تلك الاختلاجة التي عمَّت جسمها وجعلتها ترتبك في حياء مذهل وحركاتمشوشة من اليدين والرأس استدللت منها على الاختلاط في إحساساتها لقعودي إلى جانبها! واغتبطتُ.

وكان قلبي في لغط وضوضاء، وقد تولت يديَّ وقدميَّ رعشة، ولا أعتقد أني كنت أستطيع الحديث إليها لو كنت قد أردت. وقصارى ما فعلت أني قعدت صامتًا، وأحسست أن أرض الحديقة وسماءها وأشجارها قد انفجرت غناءً، وكأن قلبي قد انفتح لعصرجديد. وقعدنا كلانا صامتين؛ أنا أتأمل الفضاء، وهي تدرس كراستها. ونظرتُ إلى حذاءيها، وإلى فستانها، وخطفت نظرة إلى صدرها، وتنهدت، ونظرتْهي إليَّ، كأنها فوجئت بتنهدي، وتنهدت هي الأخرى، ودمنا على ذلك ساعة كانت سحرًا ونشوة. ونهضت هي، ونهضت أنا، ولما خرجتْ من الحديقة التفتت إلى الخلف فوجدتْنيعلى قيد خطوات منها فاختلجت، ووجدتْ سيارة أجرة فركبتْها، وقبل أن تتحرك السيارة نظرت إليَّ، وأثبتت عينيها فيَّ. وقصدتُ إلى منزلي وأنا في ذهول من السعادة؛ أؤلِّف الأحاديث معها، وأتخيَّلإجابتها، وأحاول أن أصوِّر لنفسي كيف تكون يدها في يدي وأنا أصافحها يدًا طرية دافئة! الحق أن هذه المقابلة قد غيَّرتني؛ لأني وجدت بعدها قصدًا في الحياة، وليس هذا فقط؛ فإني أحسست أيضًا في قلبي سرٍّا. وفي اليوم التالي، وفي الميعاد نفسه، قصدتُ إلى الحديقة وهرولت إلى مقعدها،فوجدتها قاعدة كما كانت في الأمس، ولم تتمالك أن تبتسم، ولم أتمالك أنا أيضًا أن أبتسم، وقلت: صباح الخير. وأجابت في لعثمة محببة: صباح الخير. وانفجرت الأشجار والأعشاب والأرضوالسماء والهواء غناءً، ونهضتُ وجمعتُ أربعزهور وعدت بها إليها وقدمتها إليها، وتناولتْها، وتشمَّمتْها في ابتسام، وناولتني زهرتين منها، ووضعتِ الاثنتين الأخريين على صدرها. تأملتُها في حب وحنان وسعادة ورعشة؛ كانت مصرية، هل يمكن أن يكون في العالمأجمل من الفتاة المصرية حين تبلغ الثامنة عشرة، ويحيط بها حياءٌ كأنه هالة من الرقة والذوق والشرف؟! وقلت وأنا أتأملها: عيناك سوداوان. وانفجرت ضاحكة، وخفق صدرها وهي تضحك، فوقعت زهرة والتقطتُها، وأعدتُها في مكانها، وسرى في جسمي تيار من كهرباء الحب. 

وقلت: أنا اسمي يوسف. وقالت: أنا اسمي ثريا. ومددت يدي وتناولت يدها، وكانت أصابعها باردة، أما كفُّها فكانت دافئة، وقبَّلت الكف والظهر والأصابع، وتحدثنا عن السحاب الأبيض الذي كان يسبح في السماء، وعن وكر الحدأة في الشجرة الباسقة التي تنهض على حافة الحديقة، ثم استحال الحديث إلى كلمات تافهة وإلى معانٍ مضمرة تتخللها تنهدات. ونهضتْ، وركبتْ سيارة أجرة بعد أن وعدتني أنها ستأتي في الغد، وغابت عني السيارة، وأحسست أني رجل، وأن لي شخصية، وأني مسئول. وقصدت إلى منزلي، وقبل أن أصل إليه عرجت على شارع فؤاد حيث اشتريت قميصًا جديدًا مع ربطة جديدة زاهية، ودخلت البيت وأنا في نشوة؛ أتحدث كثيرًا وأضحك كثيرًا، وفي نفسي إحساس بأني ممتاز على جميع من في البيت. ألست أحب؟ ألست محبوبًا؟ أليس في قلبي سر؟ وعدت في الميعاد إلى الحديقة، ووجدتها، وقبَّلت يدها في حرارة، وقعدت إليها، ولحظت التفاتها إلى القميص والربطة الجديدين، ووضعتْ يدها على خدي وأمسكتْ بأذني ثم بعنقي، وأخذتُ يدها، ووضعتُها على شفتي، وجعلت أقبِّلها وأنفاسي تخرج على أصابعها، وبقينا نعبث ونضحك نحو ساعة، وجاء ميعاد قيامها، فودعتها إلى السيارة. وعدت في اليوم التالي فلم أجدها، وعدت في الأيام التالية فلم أجدها، وقد مضى إلىالآن نحو اثنتي عشرة سنة وأنا أستعيد رؤياها، وأتخيلها في اليقظة والنوم، فتمتلئ نفسي سعادة وحسرة. وكثيرًا ما أستسلم لأحلام اليقظة، فأجدني أتحدث إليها، وأتأمل وجهها، وأتشمَّمالعطر في شعرها والعرق في صدرها، وكم من مرة سعدت بهذه الأحلام وأنا أزور هذهالحديقة، فأتخيلني معها ونحن نمشي ونتنحى عن المماشي العامة إلى ظل شجرة، حيثنقعد على العشب، ثم أقترح عليها الزواج، فتغمض عينيها في خفض الحياء، ثم نأخذ في التفاصيل: أين نسكن، وأي أثاث نشتري! أجل يا ثريا، ما أحلى ذكراك في نفسي! وكم من مرة كنت آوي إلىسريري مهمومًا أومغضبًا فأتخيلك راقدة إلى جانبي، في أنوثتك وعذوبتك، فأنسى همومي وغضبي، وأهوي على وجهك بالقبل، وآخذك بين ذراعيَّ سعيدًا منتشيًا. 

وعندما أتأمل حياتي الماضية أحس كأنها كانت كلها كتابًا من النثر قد خلا منطرب الإيقاع، إلا بضعة أبيات من الشعر، هي تلك الأيام القليلة التي كنت ألقى فيها ثريا في الحديقة. وهأنذا قد مضى عليَّ ثلاث سنوات وأنا متزوج، ومع ذلك ما أعذب هذا الإحساس الذي تمتلئ به نفسي ويختلج به جسمي! إني أحس كأن زواجي هذا هو الثاني، وأن ثريا كانت زوجتي الأولى. كيف يتكوَّن هذا الإحساس مع أن كل ما عرفتُه منها ثلاث مقابلات في الحديقة، كانت كلها نظرات وتنهدات؟! أليس حقٍّا أن دنيا الخيال التي نبنيها تحيا معنا وترافقنا، وتؤنس حياتنا، كما لو كانت ودنيا الحقيقة سواء. أيها القارئ، عندما تذهب إلى هذه الحديقة التي بالشاطئ الغربي للنيل، شمال جسرقصرالنيل،لا تنسَ أن تيمِّم الجزء الشمالي منها؛ شمال بغرب، وهناك تجد مقعدًا منفردًا نائيًا،فاقعد عليه، واستعِدْ هذه الإحساسات التي ذكرتُها لك، وعش لحظة من السعادة التياستمتعت بها أنا وثريا، واستمع إلى الأشجار والهواء والسماء والأرض وهي تغني كما كانت تغني لنا. إنها ذكرى لن ينساها قلبي! 





الفصل السادس

خريف+ ربيع



لقد امتاز بعبقرية الذهن، لا شك في ذلك، ولكنه لم يمتز بعبقرية الحياة. أجل، إن هناك فرقًا بين عبقرية الذهن وعبقرية الحياة! استيقظ الأستاذ ماجد حوالي الساعة الأولى من الصباح، وكان قد آوى إلى فراشه في الساعة الحادية عشرة بعد سهرة تحامل على نفسه فيها وهو متعب. وأحس أن قلبه يدق دقات غير منتظمة، وأن في رأسه دوارًا، وكانت زوجته غارقةفي النوم على سرير آخر، ففكر في إيقاظها، ولكنه عاد وتساءل: وماذا يمكنها أن تصنع؟وازداد الدق في ألم كما لو كان جرحًا يضرب، ثم صار خفقانًا والتهاثًا، فترك نفسه على سريره وهو يقول: إذا كانت هذه هي النهاية فلتكن! وبقي في قلق وعرق نحو ربع ساعة، عاد إليه بعد ذلك هدوء في النفس وصفاء في الذهن، فاعتدل بقدر ما يستطيع في فراشه وجعل يفكر. وتقلبت زوجته علىسريرها، وخشيأن تراه يقظًا، فتناوم، ووضع ذراعه على رأسه، حتى اطمأن إلى أنها نائمة، وعاد إلى نفسه يبحث كأنه يحقِّق، ثم تنهد وهو يقول: – قد لا أنجو مرة أخرى من مثل هذه النوبة، وقد تفاجئني في الليلة التالية أو بعد عشر سنوات، هذا ما لا أعرف، ولكني أعرف أني حي الآن. ثم انبسط أمامه فيلم حياته الماضية؛ إنه الآن في الخامسة والستين من عمره، وهيسنٌّ خطرة، قلَّ مَن يتجاوزونها في مصر، وهم في أوربا يبلغونها وهم شبان بفضلالعيشة الصحية التي يعيشونها: طعام بلا دسم، ورياضة يومية، ونزهة سنوية، وشباب يُستأنف عامًا بعد آخر بلا حياء كاذب. وهو الآن أستاذ معروف في الجامعة وفي غيرها من المحافل الثقافية، وقد ألَّف كثيرًامن الكتب العلمية والفلسفية، وعاش طيلة حياته الماضية وليس له هدف سوى احتواء

المعارف وتمحيصها، ودراسة الإنسان والكون. وقد أحاط بالثقافة العالمية، حتى ليمكنأن يقول عن نفسه إنه أكثر الناس ثقافة في بلاده، وأنه ليس هناك ذهن بشري قد وجدمن العناية أكثر مما وجد ذهنه؛ فإنه يتصور الكون ويعرف تاريخ الإنسان، ولقد درسمن الموضوعات ما لا يخطر على أذهان المثقفين، أليس في مكتبه نحو عشرة كتب ضخمة عن النباتات؟ ثم ألم يشرع هو منذ ثلاث سنوات في دراسة الذرة؟ إنه لا شك عبقري الذهن! ولكن ما قيمة حياته؟ هل كانت هي الحياة المثلى التي لم يكن ليستطيع أن يختار غيرها لو أنه كان قد خُيِّر في بداية عمره؟ وتضاربت الأفكار والخواطر حتى احتواه النوم، واستيقظ في الصباح وتحدَّث إلىزوجته، وفاجأها بأنه ينوي زيارة الهند، وتأملتْه وهي لا تصدق ما تسمع، ونهض إلى مكتبته، وقعد يتأمل ولا يقرأ. وبعد أن تأمل صفحات حياته الماضية فكَّر وحاول أن يتعقَّل؛ لقد امتاز بعبقريةالذهن، لا شك في ذلك، ولكنه لم يمتز بعبقرية الحياة. أجل، إن هناك فرقًا بين عبقرية الذهن وعبقرية الحياة. لا شك أنه فيلسوف وعالم وأديب وكلشيء، لقد حفِلت حياته بالإحساس والتفكير، ولكنها لم تحفل بالحوادث والاختبارات. ثم عارض نفسه وهو يقول: ولكن لماذا أقول هذا؟ ألم أحب؟ أحببت امرأتين أخلصتْ كلتاهما لي. ولكنه تذكَّر حبَّه للمرأة الأولى، وكان مأساة؛ فلقد بسطتْ أمامه المائدة بكل ماتحتوي من شهي الطعام، وشرع يأكل، ولكن لقمة واحدة لم تدخل فاه، كأن شللًاقد أطبق شفتيه، وحاولت هي أن تفتح شفتيه، ولكنها عجزت، وبحث، ونقَّب، ودرس،وفكَّر، ثم عرف أن ثقافته قد أرهفت إنسانيته فجعلته يرى في الطعام لحمًا يصرخ بأنه من الحيوان فترفَّع عنه. ألم يعش قرابة سنتين وهو لا يذوق اللحم؟ لقد كان ذهنه متخمًا بالفنون والآداب التي أفسدت معاني الحب عنده، وكما جعلتهيعزف عن طعام اللحم جعلته أيضًا يعزف عن لقاء اللحم؛ لقد كان يحب بذهنه، ولكنهكان يجب أن يحب بإحساسه أيضًا، ولقد هنئ غيره بالشهوات الأرجوانية أما هو فلم يعرفها؛ لأن دمه شحب بالدراسة وفقد أرجوانيته. 30

ربيع ولكن الحب عاد فدخل قلبه واستقر وأثمر في المرة الثانية. ثم قال: ولكن حياتي الماضية لم تغصْإلى الأعماق، ولم ترتفع إلى القمم؛ لقد عشتفي وادي الحياة، لم أعرف إحساس الخطر، ورعشة التحدي له، أو لذة الفرار منه، لمأعش في باريس حين حاصرها الألمان، ولم أخرج مع الناجين ومدافع الألمان تطاردهم،ولم أتذوَّق علقم الحياة من بؤس أو فقر أو مرض، وكان يجب أن أجرع هذا العلقم حتى أقيء منه. !« لقد كانت حياتي حياة الأفكار، ولم تكن قط حياة الحوادث والاختبار » إلى الغابة، وفر من المدينة الأمريكية التي كان يسكنها، وأراد « ثورو » لقد خرج يتأملها في وحدته وعلى بعد من صخب المجتمع، « على حِدَة » بذلك أن يتعمق الحياة ويقف ولكنه هو لم يترك مكتبته؛ لأن حياته كانت حياة الدرس والثقافة فقط. دون أن ينزل على آراء « على حدة » أين الغابة التي يستطيع أن يلجأ إليها كي يفكر المجتمع؟ أين الغابة التي تحدث فيها الحوادث وتقع الأخطار ويجني منها الاختبار؟ وفي هذا اليوم لم يفتح كتابًا، ولم يكتب حرفًا؛ إذ كان قاعدًا وكأنه في ذهول، وسمع نفسه يقول إنه سيزور الهند واليابان قبل أن يموت. وتنبَّه بصرير التليفون، فتناول السماعة، وإذا بصديق يدعوه إلى تمضية المساء عنده. ورحَّب، على غير عادته السابقة، بهذه الدعوة، ووعد بالذهاب إلى منزل صديقه الساعة الثامنة. إنه لا يريد أن يقرأ أو يكتب، إنه يريد لقاء الناس؛ إذ لم يبقَ من العمر سوى فترة قصيرة أو طويلة قبل نوبة أخرى كهذه النوبة التي أيقظته في الليلة الماضية. وكان عند صديقه في الميعاد، وتحدَّث إلى كثيرين في طلاقة وابتسام، وأحس انتعاشًالجو الطرب الذي كان يسود الزائرين؛ فكانوا يضحكون لأتفه نكتة، ويشربون ويأكلونفي سذاجة وحيوانية، وأكل معهم وشرب قليلًا، ثم انتحى ناحية وقعد، وجاءت إليه فتاةعرف منها أنها معلمة، ويبدو أنها لا تزيد على الخامسة والعشرين من العمر، وطالالحديث بينهما، وكانت هي تتحدث كما لو كانت مسحورة بشخصيته، كما كان هومرتاحًا إلى إعجابها به، وإلى وسامة ملامحها وهدوء نظراتها، وكانت من أجمل ما سمعه منها قولها: أنت إنسان. 31

ومع أنه كان قد سمع هذه الكلمة قبل ذلك، فإنه كان لوقعها في نفسه، من هذهالفتاة، أثر الطرب الغامر؛ فقد قالتها في وداعة ورقة بالغتين، كما لو كانت تقبِّل رأسه وتمسح جبينه. لا بد أنها قد قرأت مؤلفاته. وتحدثت الفتاة إليه عن شخصية المرأة، وعن حكمة العيش، وعن الكتب، وعنوكان يجيب في يسر حتى أحست ،« بول سارتر » و « أندريه جيد » التربية، وعن مؤلفات هي ألفة لم تكن تنتظرها، فلم تخجل ولم تتحفظ. وترك السهرة وعاد إلى منزله، وفي نفسه أغنية؛ فإن صورة هذه الفتاة لم تبرحذهنه؛ إنها حين كانت تتحدث كانت ترفع رأسها إليه، فكان يرى عنقها الذي يستهدفذقنها من أعلى وينساح عن صدرها من أدنى، وهو يذكر أنه وهو قاعد إليها قد تخيلهاوقد أرسلت شعرها على وجهها، فانساح حول وجهها إلى كتفيها، ثم تأمل عينيها ونظرإليها، ثم من خلالهما، إلى هذا الذهن الذي يسأل ويستطلع في ذكاء وقصد. أنها تمتاز بعقل متسائل. ثم طرد هذه الخواطر وهو يقول: كأني أحبها! رجل في الخامسة والستين يحبفتاة في الخامسة والعشرين؟! حب عقيم، وهو على كل حال من طرف واحد؛ إذ لا يُعقل أنها يمكن أن تحبني! وفي صباح اليوم التالي عاد خيالها يتجسَّم، وعاد هو يتخيل ويتحدث إليها ويستمع إلى إجابتها، ثم يطرد هذه الخواطر بعزم وعنف. ثم قال: الواقع أني لا أحبها، ولا يعقل أني أحبها، وكل ما في الأمر أنها شغفتني بإعجابها بي وبحديثها. ولم يجد ،« فتنة » ولكن ساعي البريد جاء بعد يوم بخطاب منها، وعرف أن اسمها في الخطاب غير سطور عن إعجابها به وشكرها له، ثم رجاء بلقاء آخر. فعاد يتأمل، ثم يفكر، وماذا لو لقيَتْه؟ لعله يحتاج إلى مثل هذا اللقاء الذي يكسبه إحساسًا مجددًا بالشباب، كما تنتفع هي بحديثه. نعم، هو لقاء تلميذة بأستاذها. وتقابلا، ثم تكرر اللقاء، ولم يكن يخاطبها باسم فتنة؛ لأنه وجد في ذكائها وإنسانيتها ما جعله حين يخاطبها يقول: يا نفس. كان يحس أنها نفس أكثر مما هي جسم، وأنها إحساس أكثر مما هي تفكير، وأحبت فتنة هذا الاسم، وقالت: جميل هذا الاسم؛ اسمي نفس. 32

على حياته وأشرق ذهنه، وكان في الصباح، وهو قاعد في مكتبه، « نفس » وسطعت يتناول القلم ثم يؤلِّف بيتين من الشعر، لا يتمُّهما حتى يضحك ويمزق الورقة. فأحس انتعاشًا واعتلاءً، وكتب هذه ،« نفس » وذات صباح، وهو في مكتبه، تذكَّر الكلمات: !« إني ما زلت أقتفي أثر شبابي وأنزع نزعته » ثم تأمل معاني هذه الكلمات وضحك، ومزق الورقة. وكثرت المواعيد والمقابلات، وكانا يخرجان لمقابلة الربيع في الحقول؛ حيث يعبق الجوبأزهاره، وحيث تنشد الطيور أشعارها على الأشجار، ثم تكون بينهما كلمات وهمساتوقبلات، ثم يفترقان ويعود الأستاذ ماجد إلى منزله ليتلقَّى وخزات ضميره: ما الذييبغي من هذا الحب؟ إنه يعبث بالفتاة. وصحيح أنه مخلصفي حبه صادق في إحساسه،ولكن مكانة كل منهما الاجتماعية، والفرق الشاسع بين عمريهما، يجعلان من كل هذه المقابلات عبثًا؛ إذ لن تنتهي بزواج. ثم يعتذر أمام ضميره فيقول: ولكنها تنتفع بحديثي؛ لأني أربِّيها. ولكن ضميره يرد في غلظة: أنت تغالط، وأنت تعرف أنك تثلم شرفها بالإشاعات،وتعطل زواجها من شاب في عمرها يعطيها قدر ما تعطيه من قلبها، وهذا ما لا تقدر أنت عليه؛ خير تربية لها هو زواجها. ثم تغمر ذهنه غيمة من الظلام والأسف؛ لأن عقله يناقض قلبه. أجل، يجب أنيعترف بالحق، وأن يقول لها إنهما لا يتكافآن؛ إذ هو في سياق الموت، وهي في انتظار الحياة، هو في خريف العمر، أو في شتائه، أما هي فلا تزال في ربيع عمرها. وأخبرها بضرورة انفصالهما، « نفس » وبعد أيام قصد الأستاذ ماجد إلى الآنسة وقال: لا أعرف إذا كنت عاقلًا أم جبانًا، ولكن على أية حال يجب أن تتزوجي شابٍّا فيسنك، وأن تسكبي عليه كل ما عندك من حب، أما أنا فحسبي عبقرية الذهن، أما عبقرية الحياة فقد مضىأوانها عندي. من هذا التغير، وأصرت على أنهما زوجان؛ زوجان في الروح، وأنها « نفس » وفزعت لا تطلب أكثر من ذلك. ولكن الأستاذ ماجد أصر أيضًا على أنها يجب أن تتزوج وتحيا حياة بعيدة عنه؛ .« روحي » لأنه لا يكفل لنفسه أو لها السلامة في هذا الحب الذي وصفته بأنه 33

إن هذا الحب بلا شك، إلى الآن، كما وصفته، ولكن هل يمكنهما الصبر على ذلكطويلًا؟ وما بقي من عمره هو سنوات معدودات، وقد لا تكون أكثر من شهور، أما هيفأمامها نصف قرن، وعليها أن تختار هذا الشريك الذي يرافقها في هذه الرحلة الطويلة. وقال: لا بد من الانفصال، لا بد. ثم صمت، وعاد إلى الكلام وقال: عودي إلى الحياة، وسأعود إلى مكتبي. وبكت، وتوسلت، ومسح هو دموعها، وقبَّل شعرها ووجهها وهو « نفس » وتألمت يرتعش، ثم جرى الحديث بينهما كما لو كان عتابًا واعتذارًا بين عاشقين، واقتنعت هي،من حيث لم يقل لها، فإن فراقهما هو الوسيلة الوحيدة لأن يعود الأستاذ ماجد إلى دراساته التي انقطع عنها لاشتغال قلبه بحبها. ثمصار الحديث وداعًا ودموعًا، أنها لن تنساه، أنه لن ينساها، ولن تنقطع المكاتباتبينهما حتى بعد أن تتزوج من شاب في عمرها، وقالت وهو يمسح دموعها: إن ما يربطني بك أقوى من أية رابطة أخرى. من أحد الأطباء الشبان، وأصرت على استبقاء هذا الاسم الذي « نفس » وتزوجت يذكرها على الدوام بزواج روحي سابق لن يلغيه طلاق، أما الأستاذ ماجد فقد أحس أنهكي يختبر ؛« رحلة ثقافية » لا يطيق رؤية مكتبه وقراءة كتبه، فتجهَّز وسافر إلى الهند في الحياة بما بقي له من وسائل الاختبار. وبعد سنين كان أصدقاء الأستاذ ماجد العارفون يقولون إنه كان عاقلًا، أما هو فكان يقول عن نفسه إنه كان جبانًا. 34







الفصل السابع

طلقت أخي



وجمعنا الأقارب للصلح، وأي صلح هذا؟ أليس لنا أرضولنا دخل؟ فما معنى الصلح إلا أن نحصل على هذا الدخل؟! طلقت أخي، وانفصلت منه، وقد مضى عليَّ أكثر من عشر سنوات وأنا لا أعرفه، ولم أذكره إلا لأني قرأت نعيه في الجرائد. وفي هذا الكلام قسوة، بل خشونة تأباها الرقة والذوق، ولكنه هو الحق، على الرغممن الأخلاق الإقطاعية التي لا تزال تلابسنا، وتوجِّه عواطفنا، وتطالبنا بالخضوع لنظام بطريركي في العائلة، وهو نظام قد أصبحت الظروف الجديدة تصرخ بإلغائه. وأنا الآن أم؛ لي ثلاث بنات وولدان، وإني لأحاول جهدي ألا أقع في الأخطاء التيوقعت فيها أمي، وأحاول جهدي أن أمنع الولدين من الاستبداد بأخواتهما البنات كمااستبد أخي بي وبأختي، وإني لأضرب لهم جميعًا المثل لما فعله أخي معي أنا وأختي؛حتى يتعظوا، وحتى لا يحس أحد من الولدين أن من حقه أن يستبد بأخواته البنات، أو يجيز لنفسه أن يسرقهن كما فعل أخي بي وبأختي. قرأت نعي أخي في الجرائد فتنهدت، ولكني أحسست انفراجًا؛ فإن بقاءه في الدنياكان تحديًا للحق والشرف والحب والإنسانية، ولكنه مع ذلك كان، إلى حد ما، مظلومًا؛لأن المجتمع الذي كنا نعيش فيه قبل ثلاثين وأربعين سنة كان يتجاوز عن الآخر الذي يسرق أخواته البنات، وكان يعده الوارث الأصيل للأبوين. إن البنت حين تتزوج وتترك بيت أبويها، يجب أيضًا أن تترك كل ما في هذا البيت،وأنه ليس لها من حق في ثروة أبويها سوى هذا الحق الصوري الذي يتعيَّن في عقود الامتلاك.

ورثت عن أبويَّ نحو عشرة فدادين، وهذا غير حصتي في بيتنا الكبير في القاهرة،وكان أبي قد مات قبل زواجي بسنة، وماتت أمي بعد زواجي بثلاث سنوات، وكانزوجي رجلًا حييٍّا، وكان يعمل موظفًا في إحدى الوزارات بمرتب يكفينا، كما كان يملكمنزلين بالقاهرة يغلَّان لنا دخلًا سنويٍّا معتدلًا؛ ولذلك لم أطالب والدتي أو أخويَّ بشيءمن حقي طيلة حياتها؛ وذلك لأني كنت أحبها، وأحب أن تحس بأن ما ورثته أنا منأبي يجب أن يبقى لمتعتها، وأيضًا لأن زوجي كان حييٍّا يعتقد أن ليس من الشهامة أن نطالب أمي وأخويَّ بدخلي وهو دون المئة من الجنيهات في السنة. وماتت أمي، وقضيت أنا وأختي بمنزل أبويَّ نحو خمسة عشر يومًا نستقبلالتعازي، وكانت أختي متزوجة مثلي، ولكن زوجها لم يكن على يسرٍ في العيش، وكانت أمي في حياتها تساعدها بالقليل الذي تحصل عليه من أخويَّ. وقبل أن نغادر المنزل، أنا وأختي، تحدثنا إلى أخويَّ بشأن ما نملك في الأرضوالبيت، وكان في البيت من الأثاث ما لا يقل ثمنه عن ألف جنيه، ولكننا لم نتحدث عنه بتاتًا وتركناه لأخوينا. وإني لأذكر الامتعاض الذي بدا على وجه أخي الأكبر حين صارحناه، أنا وأختي،بأننا نحتاج إلى دخلنا من الأرض، وقد سلَّم أخي الأصغر بهذا الحق، ولكن أخي الأكبرلم يسلِّم به، وجعل يسوِّف، ويتعلل بأنه لا يعرف المستأجرين، وأن هذا الموضوع يمكن أن يؤجَّل. وفهمت من التأجيل أنه لن يتجاوز الشهرين أو نحو ذلك، ولكن مضت تسعةشهور دون أن نجد أية نتيجة، وجاءتني أختي تشكو، وتقول إن ما كانت تحصل عليه من أمِّنا قد انقطع، وأنها في حاجة؛ لأن دخل زوجها صغير، وأن أولادها قد كثروا. وقصدنا أنا وهي إلى أخي الكبير، وحادثناه في رفق وحب، ولكنه عارضنا في عنف، كأننا أغراب نريد الاستيلاء على ثروته بلا حق. هنا؟ « صلح » وجمعَنا الأقارب للصلح، وأي أليس لنا أرضولنا دخل؟ فما معنى الصلح إلا أن نحصل على هذا الدخل؟ كانت تعني شيئًا آخر عند أخويَّ الاثنين، وعند الأقارب، وكان « الصلح » ولكن كلمة الكلام كله يجري على هذا النسق: الصلح خير، الوفاق أحسن من الخلاف، بوسي رأسه، بوس رأسها! ثم ينفضُّ السامر، ونعود أنا وأختي إلى بيتنا بلا نتيجة. 

ولم نكن ننتزع خمسة أو عشرة جنيهات من أخي إلا بعد شجار، وكان يحاسبنا— إذا حاسبنا — على إيجار لا يزيد في المتوسط على أربعة وخمسة جنيهات للفدان، فيحين كان هو يؤجِّره بنحو عشرين أو ثلاثين جنيهًا، وحاولنا بيع الأرض، فجعل يعرقل البيع، حتى لم يعد أحد من المجاورين يخاطبنا في البيع. فتح » وكنا حين نشكو يقال لنا إنه فاتح بيت، وإننا يجب أن نتسامح معه، وكأن يعني أن يأكل هو أكثر مما نأكل نحن، وأن يقتني سيارة في حين أن أخته لا تجد « البيت القدرة على شراء الطعام الضروري لأطفالها. وأخيرًا حدثت الكارثة: فإن زوج أختي مات، ولم يترك لها من المعاش سوى نحوسبعة جنيهات في الشهر، وكان أولادها خمسة: ولدان وثلاث بنات، أصبحوا جميعهم على الحضيض، أو ما يقارب ذلك. وقصدتُ إلى أخي، وبسطت له حال أختنا، وتبرَّعت أنا بكل حصتي في ميراث أبويَّ لها، ورجوته بأن يعطيها حقها؛ حقها لا أكثر. ولكنه تبرَّم، وزعم أن الأرضقد انحطَّت، وأن ريعها يقل عامًا بعد آخر، ولم أتمالك أن أقول هنا: ولماذا لا تبيع السيارة وتعطي أختك حقها؟ واستشاط هو من كلامي، فهبَّ يسبُّني ويهدد بأنه لن يدفع شيئًا، لا لي ولا لأختي.حدث هذا منذ عشرة سنوات، وقد طلقته منذ تلك اللحظة ودخلت أنا وأختي معهفي قضايا للقسمة، وللحصول على الإيجارات، وقد أنفقنا في هذه القضايا مئات الجنيهات وست سنوات من النزاع. ونجحنا في الحصول على ميراثنا في البيت والأرض، ونجحنا في أكثر من ذلك، وهو أننا طلقناه؛ لأنه لم يكن أخانا. أجل لقد طلقت أخي؛ لأني وجدت أن من حقي أن أحيا حياتي وأنا بعيدة عن هذه الشخصية المعاكسة المشاكسة، فضلًا عن حقي في ميراث أبويَّ. وحين قرأت نعيه في الجرائد ذكرت المعاكسات التي لقيتها أنا وأختي منه كي ينهب وتنهدت، ولكني عجزت عن أن أقول: الله يرحمه. ،« فاتح بيت » حقنا بدعوى أنه 





الفصل الثامن

غرفة الخادمة



كان يخالجها اليأس، فإنها كانت لا تزال تستمسك وتأمل « أسماء » ومع أن ضد الأمل. تزوَّجتْه عن حب يزيد على ما كان يكنُّه هو لها منه؛ فقد كان محاميًا موهوبًا، نالشهادة الحقوق ولم يبلغ الثانية والعشرين، وكان وسيمًا في قوامه، كما كان أنيقًا فيذوقه؛ يتخذ الملابس التي تماثله، ويتحدث في ابتسام، ويسرع إلى تقديم المعونة التي تقتضيها الشهامة للآنسات. وهي طالبة معه أيضًا في كلية الحقوق، وجرفها الحب فلم تكن « أسماء » عرَفتْه تطيق مفارقته؛ إذ كانت تذهب إلى منزله، أو يذهب هو إلى منزلها للمذاكرة، ومع أنهكان يسبقها في الدراسة بثلاث سنوات فإنهما كانا يتعلَّلان بأن هناك موضوعات دراسية لا يزالان يشتركان فيها. ولما نال الأستاذ أنيس شهادته وترك الكلية، كفَّت أسماء عن الاستمرار في الدراسة،وتم زواجهما، وسافرا الإسكندرية حيث كان مكان العمل الحر؛ أي المحاماة، الذي اختاره الأستاذ أنيس مُؤثِرًا حريته على الوظائف الحكومية. ولم تندم أسماء على تركها للدراسة؛ فإنها وجدت في أنيس كل ما تشتهيه الفتاة فيالزواج من السعادة، ووجد زوجها الشهرة التي لم تتأخر كثيرًا؛ فإنه أمضىالسنة الأولىفيما يشبه الركود والكساد، ولكن الرخاء كان في السنة التالية؛ فإن كثيرًا من الشركات عرفته وأقبلت عليه، وكان اختصاصه القضايا المدنية والتجارية. ومضت سبع سنوات وهما يتقلبان في هناء الزوجية، وكان كسب الأستاذ أنيسوفيرًا، يتيح لهما التشتية في الأقصر، والاصطياف في لبنان، ولكن كان هناك مع ذلك

ما ينغصهما، وهو أنهما حرما الأطفال، ومع كل ما بذلاه من مجهود بقيا طوال هذه السنوات دون أن تحمل أسماء. ولكن الثراء، وما كان يتيح لهما من الاستمتاع، كان ينسيهما هذا الحرمان، وأنهمااستقرا في النهاية على عادات اجتماعية تشغل وقتيهما بالزيارات والتنزهات وشراء الصفقات الكاسبة من عقارات مدنية أو ريفية. ثم حدث وهما يسيران ذات يوم على الكورنيش أن لحظت أسماء في زوجها اضطرابًافي حديثه؛ فقد كان يثِب من موضوع إلى آخر في تفكُّك وبلا ارتباط، ولم تأبه كثيرًا؛ إذ هي علَّلته بأنه متعب من عمله في مكتبه. ولكن هذا الاضطراب استمر في اليوم التالي، وزاد كثيرًا بعد أسبوع، حتى إنه؛ أيالأستاذ أنيس، كان وهو إلى المائدة ينسى أنه يأكل، ويسترسل في الحديث المتفكك عنالسياسة، التي يثب منها إلى بعضالقضايا التي يدرسها، ثم يثب من هذا إلى الاستحمام في البحر، ثم يذكر أحد الأصدقاء. وذُهلت أسماء، واستدعت ثلاثة من أصدقاء زوجها، وجميعهم من الأطباء، وما هوأن حضروا إلى منزله، ورأوه على هذه الحال حتى تلاحظوا في صمت يدل وكأن كربًا عظيمًا قد حطَّ عليهم. وهُرع أحدهم إلى الشارع، وسارع إلى سيارته، ومضى بها يعدو إلى إحدىالصيدليات؛ حيث اشترى عددًا كبيرًا من الأنابيب عاد بها، وشرع الجميع يعالجونه ويحقنونه. وفهمت أسماء من نظراتهم أن هذا مرض خطير يخشونه، فطلبت منهم أنيصارحوها، ولم يتأخروا عن مصارحتها، وفهمت أسماء أن زوجها مريض بأحدالأمراض الوبيلة التي تنتهي بالشلل العام ثم الموت، إذا لم تُعالَج في شهورها، بل فيأسابيعها الأولى، وأنه؛ أي زوجها، قد وصل إلى الدور الأخير من المرض، وأن الأمل في شفائه ضعيف ولكنهم لن ييأسوا … وفهمت أسماء من الأحاديث الصريحة مع الأطباء أن العزوبة كثيرًا ما يحفل طريقهابالمزالق للشبان، وأن هناك مرضًا خطيرًا يبدأ بعلامات تافهة، ولكنه ينتهي إذا أهُمل بالدمار؛ لأنه يمزق الأعصاب ويبلي خلايا المخ، فيكون الجنون والشلل معًا. وخرجوا بعد أن أرقدوا الأستاذ أنيس على سريره، ونصحوا لزوجته بما يجب أن تفعل. 

ووجدت أسماء نفسها مع زوجها وحدهما، فأكبَّت عليه وهي تبكي وتقبِّله، وتخرج مكررة في تنهدات تمزِّق قلبها. « يا حبيبي » منها كلمة وواظب الأطباء على معالجته نحو شهر، وكانت أسماء تُعنى به عناية الحب؛ فكانتترقد إلى جانبه، وتحمل كل يوم طعامه إليه في السرير، وتمسحه بالكئول، وتغذِّيه بأطيب ما يحب من طعام، ولا ترضىللخادمة كي تغنيها عن بعض المتاعب في تنظيفه. ولكن كل هذا ذهب بلا جدوى؛ فإن المرضسرى في خلاياه البعيدة، وذات يوم هبَّمن فراشه يحاول أن يمشي فوقع، وجاء أحد معالجيه فقال إنه الشلل العام للمجانين. ولم يعد الأستاذ أنيس يعقل شيئًا؛ فإن عينيه كانتا تسددان إلى السقف، ثم تجري الكلمات على لسانه سائلة بلا ضابط. ومع أن أسماء كان يخالجها اليأس، فإنها كانت لا تزال تستمسك وتأمل ضد الأمل. وجاءت أمها ورأت المريض فتأسفت وبكت، وبقيت مع ابنتها. ومضت شهور، وأصبح الأستاذ أنيس في غرفته كأنه بعض الأثاث؛ ينظِّف جسمه، ويرتب سريره كل يوم. وكان الضيوف يأتون إلى البيت للمسامرة والمؤانسة، وكانوا جميعهم على وفاق في الصمت عن السؤال عن صحة الأستاذ أنيس. وأصبح الدكتور أنيس شبحًا في البيت، تحتويه غرفته، كلهم يدري علَّته، ولكن كلهم أيضًا يصمت ولا يذكره بكلمة. وكانت أسماء في الشهر الأول من علَّته لا تزال تحمل إليه طعامه، وتمسح عنقه، .«… بكره تشفى، بكره تقوم، حبيبي » : وتخلل شعره بأصابعها، وتتحدث إليه ولكنه كان ذاهلًا يتمتم بكلمات مغمغمة وعيناه إلى السقف. وجاء الشهر الثاني، فكفَّت أسماء عن الدخول إلى غرفته، ووكلت العناية به إلىخادمتها، ولم تكن الخادمة، على طيبة قلبها، قادرة أن تتجلد لهذه الخدمة المضنية؛ لأن الأستاذ أنيس لم يعد قذرًا فقط، بل لقد أصبحت قذارته تشبه النجاسة. ومضت سبعة شهور وهو على هذه الحال. ووجدت أسماء نفسها ذات صباح، وهي تتأمل حالته، تقول في صوت مسموع: حيوان، وأحست كأنها تريد أن تبصق، وسمعت أمها وهي تقول: لو أنه يموت! أجل، لقد فكرت أسماء كثيرًا، لو أنه يموت لأصبحت هي حرة تتزوج من تشاء؛ فإنها لا تزال دون الثلاثين، وقد زاد جمالها روعة وأنوثتها سحرًا. 

ولم يعد هناك بصيص من أمل في شفائه. وذات صباح نادت أسماء خادمتها وطلبت منها أن تنقل الأستاذ أنيس إلى غرفتها؛غرفة الخادمة التي تجاور المطبخ؛ حتى لا تتعب كثيرًا في العناية به، وعلى كل حال يجب إخفاؤه بعيدًا عن عيون الزائرين. وعادت الخادمة فحملته من السرير إلى حضيض الغرفة، فوقع كما لو كان كتلةمن الطين، ثم نقلت السرير، ثم حملته كما لو كان غرارة تحوي سَقَط المتاع، فألقته على سريره في غرفتها. ولم تعد أسماء ترى وجهه، وبقي نحو شهرين وهو لا يحس ولا يعقل، ثم ماتالأستاذ أنيس ودفن في الخفاء، وتنهدت أسماء وأمها والخادمة في ارتياح، ودبَّت الحياة في البيت من جديد، وكثر الزائرون من عائلات الشبان المرشحين للزواج. 





الفصل التاسع

الحيوان الذي كان إنسانًا



مات من كثرة الشراب والطعام، مات بعد خمسين سنة من العمر لم ينتج فيها سلعة ولم يؤدِّ خدمة. كنت أتحدث إلى صديقي، وكان وجوديٍّا، يقول بأن الإنسان مسئول وحده عن مصيره،وأنه هو الذي يصنع نفسه ويختار أخلاقه، وما يصيب من نجاح أو خيبة في الحياة إنماهو المرجع الأول والوحيد فيه، وهو إذا كان يعلل خيبته بعلل أخرى فإنما ذلك لأنه قدخاب، ولا يحب، أو لا يطيق أن يتحمل تبعة خيبته، فهو يحيلها على غيره جبنًا منه، وعجزًا عن مواجهة الواقع. وكنت أخفف من حدته الفلسفية هذه وأقول إن المجتمع يصنعنا؛ فهو يورثنا عقائددينية أو خرافية تلصق بنا طوال أعمارنا، وهو يعيِّن لنا أفكارنا وأخلاقنا بالكلمات التينستعملها، وننسى أنها هي أيضًا تستعملنا، وهو أيضًا؛ أي المجتمع، يعطينا المعلمينالذين يوجِّهوننا، ثم نحن نجد من الأصدقاء والصحف والكتب ما يوجِّهنا ويعيِّن لنا أهدافنا على غير دراية منا. نحن مسيرون ولسنا مخيرين. اسمع، مات لي » : ولكن صديقي الوجودي نهض من كرسيه واقفًا معترضًا، ثم قال قريب في السنة الماضية، وكان من سني، وقد نشأنا في بيئة واحدة، وكان أبوانا على ثراءومقام سواء، فلم يكن هناك اختلاف بين تربيتي وتربيته، وأنا أؤكد لك أننا؛ أنا وهو، كناإلى سن العاشرة أو الثانية عشرة لا نختلف في درجة التعليم أو الأخلاق أو الذوق، وكان توافقنا لذلك تامٍّا وصداقتنا متينة.

ولكن منذ هذه السن شرعنا نفترق ونختلف، وظلَّت اختلافاتنا تنمو وتتكاثر حتىفصلت بيننا، وقد بلغنا كلانا سن الخمسين في السنة الماضية، فمات هو بعد أن مرضت كبده، وقيل له إن علة المرضهي الأكل الكثير. أفهمتَ هذا؟ الأكل الكثير، مات من الأكل الكثير، مات حيوانًا بعد أن كان إنسانًا،أو على الأقل كان إنسانًا طوال مدة طفولته وصباه، فلا تقل إن المجتمع قد وجَّهه أوكان هو المسئول عن الحيوانية التي تردَّى فيها؛ فإنه حين كان عجينة تُعجن وتُصاغ،كان حسنًا، إلى سن الثانية عشرة، ولكنه حين شرع يفكر ويستقل ويتبصَّر اتجه نحوالاستهتار والشر، بل الإجرام، واتجهتُ أنا وجهة أخرى، وهأنذا أمامك، عشت في وسطالطفولة الذي عاش فيه، ولكني نظمت برنامج حياتي نظامًا آخر، والنتيجة أنه هو الآن في القبر، وأنا حي في صحتي وآمالي وثقافتي ومقامي. تركته في بداية الثالثة عشرة من عمرينا؛ لأني وجدت أنه قد عرف بعض الصبيان،وكان يخرج معهم في صبوات عجيبة استنكرتُها أنا وأقبل هو عليها؛ فكانوا يسرقون الشجر، ويؤلِّفون عصابات صغيرة لضرب خصومهم. والعجب أن نجاحه في المدرسة كان أكبر من نجاحي؛ فإنه حصل على الشهادةالابتدائية في حين أني رسبت؛ ولذلك لا يمكن أن تقول إني أذكى منه، ولكن عقب ذلك ابتدأتْ حياتي تسير في مراحل من الرقي، وابتدأتْ حياته تسير القهقرى. ولست أعني بذلك أني كنت خلوًا من الرذائل، أو أنه لم تكن لي صبوات، ولكنصدِّقني حين أقول لك إني كنت في العشرين أفكر كيف أكون في الخمسين؛ فكنت أدرس، وأتوقى الخمور، وأحاول أن أكون اجتماعيٍّا، وأن أدخر من مالي للمستقبل. كنت كذلك، أما هو فكان في العشرين يشرب الخمور ويرافق السكيرين واللصوص.وكان دخل كل منا يساوي دخل الآخر؛ بالميراث وليس بالكسب، فكان يسافر إلىأوربا للاستهتار، فإذا عاد إلى مصرقضىأيامه فيما بين المدينة والعزبة، فإذا كان بالعزبةسرق الفلاحين أو سحقهم أو اشترى عفة نسائهم، كانوا مساكين مغلوبين معه؛ لأنلقمة عيشهم كانت في يده، فإذا قصد إلى المدينة أنفق ما جمعه من العزبة، فكانت لياليهحمراء مع اللصوص الذين كان يسلِّطهم على جيرانه أو خصومه كي يحرقوا غلَّاتهم أو يسرقوا مواشيهم. أذكر أني لقيتُه ذات مساء قبل عشر سنوات، فدعاني إلى مرافقته، ومع اشمئزازيمنه قبلت الدعوة؛ كي أدرسه وأعرف إلى أين انتهى، فقادني إلى حانة، وهناك اجتمع 44

الحيوان الذي كان إنسانًا وكانوا من الريفيين الموسَرين، وجعلت أنصت بعناية لحديثهم، وكان كله « أصدقاؤه » به — تقريبًا — نوادر عن صبواتهم؛ فذكر أحدهم كيف اهتدى إلى شراء مقدار حسن منالحشيش، وذكر آخر شيئًا عن امرأة كانت له بها معرفة حميمة، وذكر ثالث تفاصيل نزهاته الليلية الأخيرة في الإسكندرية. وكانوا طيلة حديثهم يشربون الخمر كما لو كانت ماءً، ويأكلون في نهم كأنهمخراف تلتهم العلف، وكنت أشرب معهم وأضحك وآكل ولكن مع التقصير؛ لأني لم أكنقادرًا على اللحاق بهم، وكان تقصيري هذا، مع عجزي عن الإدلاء بنكتة طريفة تساعدهمعلى الضحك، ومع صمتي من وقت لآخر بما لا يتلاءم مع هذا المجلس ومرطباته — مدعاة لرثائهم لي. ونهضنا بعد منتصف الليل، وسلَّمت وودَّعت، وقصدت إلى الفندق وارتميت علىسريري، وجعلت أفكر وأتأمل؛ قريبي هذا قد استكرش وأصبح بطنه كالقربة المنفوخة،وتمثَّلتُ صورته وهو يأكل، حين امتلأ شدقاه بالطعام وانتفخ وجهه، وكان يتجشَّأويتحرك على الكرسي كأنه جثة مائعة فقدت تقاسيمها، ولم أتمالك الاشمئزاز، وعدت إلى ذاكرتي حين كنا صبيين نلعب. ولم يمضِ قليل حين عرفت أن جسمه عجز عن استهلاك الطعام الذي كان يأكله،فأضرب وصار يبول المواد النشوية التي كان يأكلها سكرًا خالصًا، ثم عجزتْ كبده عنالعمل، فأضربت هي الأخرى، وقد نصح له الأطباء بالإقلال من الشراب والطعام، ولكنه لم يطق ذلك، ومات في العام الماضي. مات من كثرة الشراب والطعام، مات بعد خمسين سنة من العمر لم ينتج فيهاسلعة ولم يؤدِّ خدمة، مات هو، وأنا حي، لقد تساوينا في فرصالطفولة والصبا، وورثناميراثًا يكاد يكون متساويًا، ولكننا افترقنا؛ لأنه هو اختار طريق الرذيلة واخترت أنا طريق الفضيلة. كل إنسان مسئول عن مصيره، كل إنسان ؛« بول سارتر » لهذا أنا وجودي، أنا مع .« يصنع نفسه ويصوغ شخصيته، هو حر، حر، حر وقلت، بعد أن تنهدت، لصديقي: لا يا صديقي، إنما هو المجتمع الذي يُسأل عنمصيره، أو عن جزء كبير منه، وهذه الحرية التي تعتقد بوجودها إنما هي وهم، وإنيواثق بأني لو عرفت التفاصيل لاستطعت أن أبيِّن لك أن قريبك هذا كان ضحية المجتمع الذي عاش فيه. 45

وحَسْبُك أن تعرف أن هذا المجتمع قد أتاح له الخمر الكثيرة، والطعام الكثير،وفرص السرقة من الفلاحين، ولم يعلِّمه، ولم يجبره على أن يكسب عيشه بعرق جبينه. أجل، لم يعلمه الشرف!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق