الفصل العاشر
ماتت 3 مرات
لماذا دفناه يا جلجل؟ رجعت أنا للبيت، هنا، وقلت: يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني وارحمني. لكن لله لم يرحمها. كانت أم مصطفى في الخامسة والسبعين، ضامرة، عجفاء، ولم يبقَ لها في الدنيا غير« جلجل » الذكريات، وكان مسكنها غرفة مظلمة في بدروم، ولم يكن يؤنسها غير القط الذي كان يعيد إليها هذه الذكريات. ولم يعد لها من سبيل إلى البقاء سوى تلك الكسرات من الخبز التي يتصدق بهاعليها السكان المجاورون، وكانوا أحيانًا يهملون، فتبيت على الطوى هي وجلجل، ولميكن لها أسنان؛ ولذلك كانت تبلُّ الكسرات بالماء، وتهرسها بأصابعها، ثم تبلعها بعدمضغ مزيف، وكانت تمضغ اللقمة بعد اللقمة، وتعطيها لجلجل؛ لأنها وجدت أنه لا يستمرئ الخبز المبلل فقط بالماء. وكان جلجل يثير هواجسها وأشجانها، وكانت تخاطبه، وتتحدث إليه، وتناقشه،كما لو كان قريبًا أو صديقًا؛ فقد حرمت الأصدقاء والأقرباء، وكانت الغرفة تطبق عليها بظلامها وصمتها. وكانت تستريح إلى الحديث معه؛ لأن شهوة البوح وبث النجوى كانا يخففان عنها؛ فكانت أحيانًا تضحك وأحيانًا تبكي، وفي كلتا الحالتين راحة، وكانت تقول: – إنت يا جلجل نسيت راجي؛ راجي ابن مصطفى، عيب عليك، ولله عيب! ومصطفى هذا كان ابنها، وكان يسمَّى مصطفى القهوجي، وكان له مقهى صغيريبيع فيه فنجان القهوة بربع قرش، وكان ربحه الصافي من هذا المقهى لا يزيد على عشرة قروش في اليوم.
وكان هذا المبلغ يملأ المنزل بالخبز والفول المدمس والفجل والجرجير، وهذا إلى أيامكانت كالأعياد؛ حين كان يشتري سَقَط الخروف أو أكارع العجل، وعندئذ تفوح روائحالطبيخ الدسم في الغرفة، ويأتي مصطفى فيأكل مع زوجته فاطمة الفتَّة الساخنة مع بعض اللحم المريء. وكانت أم مصطفى تزعم أنها لا تستطيع أن تمضغ اللحم، وكانت بالطبع تكذب،ولكنها كانت تفرح عندما كانت تعرف أن ابنها مصطفى قد أكل وشبع، وأن راجي، ابنه الصغير الذي لم يكمل السنتين، قد أكل أيضًا وشبع قبل أن ينام. كانت أيامًا هنيئة، تذكرها أم مصطفى بتفاصيلها الصغيرة، وكانت تذكر كيف أن القط جلجل خطف من راجي مزعة من اللحم. وقد مضى كل ذلك، فمات مصطفى ابنها، وماتت زوجته فاطمة، بل حتى الطفلراجي قد مات، وهي الآن تعيش مع جلجل؛ كلاهما قد لزم هذه الغرفة، وكأنه يعرف أنه لن يبرحها إلا إلى القبر، من القبر وإلى القبر. وكان القط بعد أن يأكل طعامه الذي مضغتْه له، وبعد أن يشرب، يرفع ظهره كأنه سنام، وينتفخ، ويتمسح بها، ويموء في لذة الشبع. وكانت هي تضمه وتتحسس فروته وتقول: – إنت نسيت يا جلجل؟ كان راجي دائمًا يقول قبل النوم: هاتولي جج، جج ينام معي، أنام مع جج، كان يسميك جج. ويموء القط حولها كأنه فهم ما قالته، وينام في حجرها، فتقول هي: – أنا مت ثلاث مرات يا جلجل، ثلاث مرات؛ المرة الأولى لما مات ابني مصطفى … وهنا تنفجر بالبكاء، ويتخضخض جسمها كله حتى يقع القط من حجرها، ويتراجع، وينظر إليها كأنه يستفهم: ماذا حدث؟ وترفع العجوز رأسها إلى سقف الغرفة وهي تقول: حرام، يا ربي حرام، أنا كانعندي غير مصطفى؟ حبلت به بعد سن الأربعين، وربيته، يا رب أخذته مني، أخذته مني ليه؟ ويعود القط إلى حجرها، وتنظر إليه وهي تقول في هدوء: – إنت فاكر مصطفى ابني يا جلجل؟ مصطفى أبو راجي، إنت فاكره؟ مصطفىحملك وأنت صغير، وجاء بك هنا من الشارع، وفرح بك راجي، ومصطفى كان يشتري لك كل يوم لبن بمليمين حتى كبرت. 48
ثم تقصُّ على جلجل كيف أن مصطفى ابنها كان رجلًا شهمًا لا يعرف الغش أوالسرقة، وكان يعيش بعرق جبينه، وخرج ذات يوم كي يشتري البن والسكر للمقهى، ولكن سيارة داسته وهو عائد، ثم تقول: – إنت فاكر يا جلجل؟ لا، إنت فاكر، تقدر تنسى؟ لما أدخلوه هنا وهو محمولوالدم على رجله؟ أنا وقعت على الأرض، وسمعت مصطفى وهو يقول: رشوا الماء علىوجه أمي، سمعته يا جلجل، أنا يومها، أقول لك بالحق، أنا مت أول موته، وبعدها أخذوه للمستشفى وقطعوا رجله. ويتمطَّى القط جلجل ويتثاءب. ثم تقص عليه كيف جيء به؛ بابنها مصطفى، بعد ذلك بساق واحدة، وكيف أنها حمدت لله على أنه لا يزال حيٍّا، ولو بعاهة، الحمد لله! ثم تعود إلى النظر في وجه جلجل وتقول: – لكن ربنا كان يكرهني! ولله يا جلجل أنا ما عملت شيء يسخط لله، لكن للهأحكام؛ لما رجع لنا مصطفى؛ أنا وفاطمة زوجته، فرحنا، فرحنا كتير، ولكن رجلهورمت، وانتفخت، وطلعت منها روائح، وجاء الدكتور وقال: لا بد من حمله الآن إلىالمستشفى، سامع يا جلجل يروح المستشفى، وكان الدكتور واقفًا يتأمل الغرفة وينظرإلى السقف والأرض، وبعدها قال لي: اسمعي يا ولية، اخرجي من هنا واسكني غرفة تدخلها الشمس، اخرجوا كلكم، هنا رطوبة وموت. وضحكت أم مصطفى ضحكة مُرَّة كلها علقم، وانقلبت الضحكة إلى بكاء وانتحاب، ثم هدأت ونظرت إلى جلجل وهي تقول: – اسمع يا جلجل، أخرج من هنا أنا وراجي وأمه ونسكن في بيت تدخله الشمس، كلام الدكتور. ثم تقص عليه التفاصيل: كيف أن أجرة هذه الغرفة 15 قرشًا فقط في الشهر،وكان ابنها يؤدِّيها وهو قادر، فلما مات بعد أن قطعوا ساقه العليا في المستشفى صار الجيران يدفعونها إحسانًا وتصدقًا، ثم ترفع جلجل على ساقيه الخلفيتين وتقول: – إنت فاكر يا جلجل لما قالوا لنا إن مصطفى ابني مات؟ كان موته بموتي، قل لله يرحمني، أنا مت يوم ما قالوا مصطفى مات. وهي تقص عليه في كلمات مخنوقة، وحلقها يغص بالبكاء، كيف أن الدنيا لم تعدبعد موته كما كانت قبلًا؛ كانت تأكل اللقمة بالفجل فتجد لها طعمًا، أما بعد ذلك فلم يعد لشيء في الدنيا طعم، ثم تنظر إلى جلجل وتقول: 49
– أنا أقول لك الحق، فاطمة زوجة مصطفى ماتت، تعرف ماتت ليه؟ من السل،ثم تقص عليه، وهي تترنح من عذاب الذكرى، وبدنها يميل ذات اليمين وذات الشمال،كيف أن فاطمة صارت تخدم في القهوة بعد موت زوجها، ولكنها بردت، ورسخ البرد فيصدرها، فكانت طوال الليل تسعل، حتى كان راجي يستيقظ من سعالها ويقول: ماما ماما، ويبكي. – وأنا كنت أحمله طول الليل وأمشي به حتى ينعس وينام. ويموء جلجل؛ لعله جائع، ولكن الذكريات تتزاحم على أم مصطفى، وتكاد تنفجرمن صدرها، وهي تقص عليه كيف ماتت فاطمة؛ فإنها تركت المقهى وباعوا ما فيه من كراسي وفناجين واشتروا الأدوية لها. – هو الدواء فيه فائدة يا جلجل؟ ثم تذكر أن الطبيب جاء وقال: اخرجوا من هذه الغرفة، وإن الرطوبة ستقتلهمكلهم. ولكنهم فقراء، وانقطعت فاطمة عن الطعام، وخمدت كما لو كانت شمعةوانطفأت، ولم تعد تأكل، وقبل أن تموت بيوم وقف إلى جانبها راجي فقبَّلت يده،وعضتها، حتىصرخ الطفل، ولما سألتها أم مصطفى عن السبب، قالت: أحب أنه يموت معي، أخاف عليه بعدي، آخذه معي. ولم تطق أم مصطفى هذه الكلمات، فبكت وهي تقول: – كان لها حق تخاف، كان لها حق تخاف. ثم سكتت، وعاد جلجل إلى حجرها يموء كأنه يترضَّاها بعد بكاءها، وأسندت ظهرهاإلى الحائط تستعيد أنفاسها، وبقيت صامتة بعض الوقت؛ لأن رأسها كان يدور من أثرالبكاء، وتتابعت الصور في خيالها: زوجة ابنها تقيء الدم، ثم تطلب ابنها راجي فتضمهإلى صدرها، وهنا تذكرت أنها عندما وثقت بأن فاطمة في لحظاتها الأخيرة تُسلِم الروحأرادت أن تنزع راجي منها، ولكن أمه حضنته وشدت عليه بيدها، فلم تستطع نزعه، ونظرت إلى جلجل وقالت في هدوء: – أنا مت الموتة الثانية يا جلجل لما دفنَّا فاطمة ورجعت ولقيت راجي بلا أم، راجييتيم، عمره أقل من ثلاث سنين بلا أم، وبلا أب، إنت فاهم يا جلجل؟ بلا أم وبلا أب! ولما رجعت قال لي راجي فين ماما؟ ماما فين يا جدة؟ وماء القط، ودار حولها، لا بد أنه كان جائعًا، وزاد مواؤه وعلا، وهنا تنبهتالعجوز، فنهضت وأحضرت كسرات من الخبز وبعض الماء وبللتها، ثم جعلت تمضغها 50
ما زالت به تمضغ له وتناوله حتى شبع، أما هي فلم تأكل، وقعد القط أمامها ومسحت فروته وهي تقول: – إنت فيك روايح راجي يا جلجل، إنت كنت كل ليلة تنام معه. ثم جعلت تقص عليه كيف أن راجي كان نور البيت، وكان مصطفى يحمله معهإلى المقهى، ويربطه بالكرسي، ويشتري له الحلوى، ومات مصطفى فكانت أمه تحملهإلى المقهى أيضًا، وتشتري له الكعك والبسكويت، ولما كان يعطش كانت تضع قطعة منالسكر في الماء وتسقيه، وبعد أن ماتت أمه لم يجد أحدًا يحمله إلى الشارع حتى يشمالهواء؛ لأنها هي عجوز عشواء ومقعدة، فكان طوال النهار معها بالغرفة، وكانت تلوك له اللقمة وتمضغها ثم تضعها في فمه كما تفعل مع جلجل. ثم في يوم ما جعل راجي يصرخ، ويسهل، وكان يضع يده على بطنه، وحمله أحد الجيران إلى الطبيب، فقال إنها دوسنطاريا، وأعطاه الدواء بالمجان. – وتِعرف يا جلجل، لما الدكتور فحص عن راجي قال: الطفل جميل، وكان جميلولله يا جلجل، كان جميل؛ كان أبيض في بياض مصطفى ابني، وكان سواد عينيه منسواد عيني أمه، وكان يضحك ويتكلم، وإنت عارف؟ الدكتور حضرعندنا هنا في اليوم الثاني وقال: فين الولد؟ حضر وحده من غير ما نطلبه، ولم يطلب منا قرشًا! تعرف ليه؟ هو أحب الولد،أحب راجي، ولما حضرقال: اخرجي يا ولية من الغرفة دي واسكني غرفة فيها شمس، لئلا يموت الولد، الولد يموت. أخرج أروح فين يا جلجل؟ أروح فين؟ أنا معي قرش؟ وعاد جسمها يتشنج بالبكاء. وكأن جلجل قد أحس بهذا الحزن الهائج في صدرها، فصاح هو الآخر: ماو، ماو؛ وكأنه يبكي معها. وارتاحت أم مصطفى إلى بكاء جلجل، ونظرت إليه وقالت: – أنا عارفه، إنت كنت حبيبه، كنت تنام معه كل ليلة. ثم قصت تفصيلات موته، موت راجي؛ فقد هزل من الإسهال، وهمد، حتى لم يكنيقدر على القعود في فراشه، وكان طول الوقت يقول: ماما، ماما، ثم كان أمر لله ومات.– لما دفناه يا جلجل رجعت أنا للبيت، هنا، وقلت: يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني وارحمني! 51
لكن لله لم يرحمها، فبقيت حيَّة تذكر مصطفى ابنها، ثم فاطمة زوجته، ثم راجي؛ الطفل الحلو الذي كان يمكن أن يكبر ويشتد ويدفنها هو. ثم مدت يدها إلى كومة من الملابس، فأخرجت قميص ابنها مصطفى فتشمَّمته،وقبَّلته، ومسحت به دموعها، ووضعته في حِجرها، ثم مدت يدها وأخرجت منديل الرأسالذي كانت تلبسه فاطمة، فجعلت تقبِّله، وتلحس قماشه، وتمضغه، كما لو كانت لقمةتؤكل، ثم نبشت الملابس وأخرجت قميصًا صغيرًا لا يكاد يملأ يدها، هو قميص راجي، فوضعته على صدرها وضمَّت يدها عليه وهي تقول: – مصطفى، فاطمة، راجي، يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني وارحمني! كلاهما ينظر إلى الآخر في عطف وحنان ،« عائلة » كانت أم مصطفى والقط جلجل وذكريات، وكان بينهما، من وقت لآخر، أحاديث وبكاء ومواء، ولقمة مبللة وجرعة من الماء. وكان الجيران يسمعون الأحاديث بينهما فيتحسَّر بعضهم ويتنهد، ويقول بعضآخر إن العجوز تخرف، وكان الصبيان يقفون عند الكوَّة الصغيرة التي تتصل منهاأضواء النهار إلى غرفتها ويستمعون إليها وهي تهذي أو تتحدث إلى جلجل، فيضحكون ويسخرون. ومضت الأيام والموت يدب في جسم أم مصطفى، فيُثقل ساقيها، ثم يغشي عينيهابالعمى، ثم يفكك خلايا مخها، حتى صارت تخلط أحلام النوم بأفكار اليقظة ولا تميز بينهما. ولم يعد الجيران يسمعون إلا الهمسات من القبر الذي كانت تعيشفيه أم مصطفى،ثم انقطع الهمس وماتت، وبقي القط جلجل، وكان يموء في الليل أكثر، كأنه كان يبكي، ثم مات جلجل، وانقرضت عائلة كانت تعيش في بدروم في مدينة القاهرة. 52
الفصل الحادي عشر
تجربة علمية
يرى النور ولا يحس النار، ويجد المعنى ولا يجد الجسم، وينظر إلى اللؤلؤ في الأعماق البعيدة، ولكنه لا يمس الماء القريب منه! كان نجيب طالبًا في معهد الفنون الجميلة، وكان يدرس الجسم البشري دراسة الفنانالذي يحاول أن ينقل إلى المتفرج ملامح النفس إلى جنب ملامح الجسم، بل هو لم يكنيبالي بملامح الجسم كثيرًا؛ فقد كنت أتأمل بعض رسومه فأجد المعنى المستتر أكثر مماأجد الصورة الواضحة، وأحس بالدلالة أكثر مما أحس بالتقاطيع، وأذكر أني نظرت إلىإحدى صوره فسَرَت في ظهري قشعريرة وقلت له: كأن هذا الرجل يحس ارتعاشًا في نفسه. فقال: هذا هو ما قصدت؛ إني أرسم النفس لا الجسم. وكنت أراه يرافق إحدى الطالبات، فقلت له: يا نجيب، احذر فتنة الجمال وأنت فيهذه السن؛ لأنك في الأغلب تشتهي أكثر مما تحب، وشبابك يحملك على الإعجاب بكلفتاة، ولكن بعد سنين سوف تجد أن الحب يبعث في نفسك ضروبًا أخرى من الإعجاب لن تجدها فيمن تعجب بهن في الوقت الحاضر. فقال: إن إعجابي بزميلتي، هناء، فنيٌّ؛ فقد أحلْتُ حبي لها إلى فن، بل إني أحاولأن أجعل حبي لها حبٍّا خالدًا لا ينطفئ، بقوة الامتناع؛ أنظر على بعد وأتحدث على بعد،وقد وجدت أن اشتغالي برسمها يساعدني على هذا الموقف منها، ثم لا تنسَ أنها هي أيضًا تشتغل برسمي. وفهمت من نجيب أنه يحب هناء حبٍّا جنونيٍّا، ولكنه يعتقد أن الحب يفسد وينتهيويموت إذا أطفئ؛ ولذلك يمكن بالامتناع والبعد أن يعيش هذا الحب، ثم وجد كلاهماأنه عندما يرسم أحدهما الآخر يتَّجه بكليِّته إلى استكناه الشخصية التي تستتر خلف
الجسم، وينظر من خلال العين إلى ما وراءها، ويحاول أن يفسر المعنى الأزلي في انفراج الشفتين، وأن ينقل إلى المتفرج الدلالة في تطلع الرأس أو انسجام العنق. وسمعته مرة يقول لهناء وهي ترسمه: عبرة الرسم وميزته على التصوير الفتوغرافي أن تستخرجي من شخصيتي وأن » تبيِّني ميزات الرجولة التي أمتاز بها؛ فإن الرجال في الظاهر سواءٌ في الرجولة، ولكنناعندما نخترق حجابهم ونتعمق ملامحهم نجد التباين العظيم بينهم: هذا شجاع، وهذاجبان، وهذا حذر متبصِّر، وهذا طائش أرعن، وهلم جرٍّا. وأنا حين أرسمك لا أبالي أنأنقل نقلًا صحيحًا عينيك أو أنفك أو صدرك؛ لأن القُمْرَة الفتوغرافية تفعل ذلك، وإنماأنا ألتفت إلى معنى التبصُّر في عينيك، وإلى معنى الأمومة في ثدييك، وهذا ما يجب أن .« تفعليه معي أنا؛ ارسمي قلبي وعقلي، ارسمي نفسي واستقر نجيب وهناء على هذا الموقف؛ كلاهما ينظر النظرة الفنية إلى الآخر، وفيالوقت نفسه ينأى ويعلو على ما اعتاد الناس من الحب؛ وذلك كي يبقى حبهما حيٍّا مشتعلًا لا ينطفئ أبدًا. وبقيا على هذا سنتين، ولم يتم أحدهما رسم الآخر، وكانا يجتمعان كل يوم نحوساعتين، يترجم كل منهما شخصية الآخر على اللوحة بالريشة والألوان، وهذا مع ما التزمه كل منهما تجاه الآخر من النأي والعلو والاحتجاز. وقلت: يا نجيب، هذا خطأ، هذا لا يدوم، إنك أزريت بالطبيعة، ورفست الحب بقدمك! فقال نجيب: ولكنه حب دائم، وبعد سنة أكون أنا وهناء قد تخرَّجنا، وعندئذ نتغير ونتزوج. فقلت: ولكن هل من الممكن أن تتغيرا؟ فقال: وهل في هذا شك؟ وكنت لحبي لنجيب أحب أن أصدِّق ما يقوله، فلما انتهت السنة وهنأته بالنجاحهو وهناء، قلت له: الآن كل شيء قد سار على ما تحبَّانه، وقد أتممتما الرسمين، فهلمَّ إلى الزواج. وأمَّن كلاهما على كلامي، وشرعا بعد أيام يتهيَّئان للزواج، ولكن بعد نحو شهرجاءني نجيب وهو يقول: أنا منكوب، أنا عاجز عن الزواج، بل إن هناء أيضًا تقول إن زواجنا لن يجدي. 54
تجربة علمية ولطمت وجهي عندما سمعت هذ الكلمات، فإن ما خشيته قد وقع؛ ذلك أنهما قدأفسدا حبَّهما، وأبدلا مجراه الطبيعي مجرًى آخر، هو المجرى الفني؛ فقد أمضيا نحوثلاث سنوات يقعد كل منهما أمام الآخر كل يوم، ولكن ليس كما يقعد الشاب أمامالفتاة، وإنما كما يقعد الفنان أمام الصورة أو الرسم؛ ينتقدها ويتعمق معانيها، يرىالنور ولا يحس النار، ويجد المعنى ولا يجد الجسم، وينظر إلى اللؤلؤ في الأعماق البعيدة،ولكنه لا يمس الماء القريب منه! أجل، لقد كفر كلاهما بالحب وزيَّفاه بالفن، وتعوَّداذلك! لا، لم يعد نجيب يحب هناء، وإنما صار يحب الرسم الذي كان يرسمه لها فقط، وهذا كان شأنها أيضًا معه. وقلت له: وماذا بقي من الحب؟ فقال: نحن صديقان. فقلت: لقد قمتما بتجربة علمية، ولكن الثمن الذي أديتماه فاحش؛ فقدتما السعادة وكسبتما التجربة. 55
الفصل الثاني عشر
والدي العزيز
وكان الدور الذي عزفتْه لنا من تأليف شوبان البولوني، ولم يدخل مخي،ولكن شادية قالت لي إني لم أتعوَّد الأدوار الأوربية، وعندما أتعوَّدها سأتذوقها. الإسكندرية في أول نوفمبر والدي العزيز أرجو أن تكون ووالدتي العزيزة وإخوتي في خير وعافية. لم أجد أية صعوبة في الالتحاق بكلية الطب، وقد تعرفت إلى بعضالطلبةوالطالبات، وبعضهم يتكرم عليَّ ويرافقني آخر النهار، فنجوب الشوارع ونتمتع برؤية البحر. وفي فرقتنا نحو خمسين طالبًا، منهم سبع من الطالبات، وجميعهن منالإسكندرية، وهنَّ يجدنَ المجاملة الرقيقة من الطلبة، وقد تعرفت إلى واحدةمنهن تدعى شادية، وهي ليست جميلة ولكنها ظريفة؛ لأنها عندما تضحكتبرز لها سن تحاول أحيانًا أن تخفيها بيدها كأنها تخجل منها، مع أني أعتقد أن هذه السن هي التي تجعلها ظريفة خفيفة الروح. أرجوك يا بابا أن ترسل إليَّ عشرة جنيهات زيادة على ما كنت طلبت لشراء الكتب والأدوات. سامي
الإسكندرية في 25 نوفمبر والدي العزيز أشكرك كثيرًا على إرسال المبلغ، وأرجو أن تكون ماما قد شُفيت من الرشح، وهي تصاب بالرشح في أول الشتاء من كل عام، تسليماتي الكثيرة إليها. استغربت كثيرًا عندما قرأت خطابك ووجدتك تحذرني من الزواج، وزاداستغرابي أنك ظننت أني أحب شادية، مع أني قلت لك في خطابي السابق إنها ليست جميلة وإنما هي ظريفة فقط! وأنا بالطبع لا أفكر في الزواج بتاتًا، وكيف أتزوج وأنا طالب؟ وحتى إذارغبت في الزواج فإن هذا لن يكون إلا بعد موافقتك أنت وماما وبعد البحث عن مركز العائلة التي أتزوج منها. أرجو أن تطمئن من هذه الناحية. سامي الإسكندرية في 22 ديسمبر والدي العزيز اتفقنا؛ خمسة من الطلبة وثلاث من الطالبات، وخرجنا أمس في نزهة إلىالمكس، وهناك قضينا أربع ساعات ونحن نلعب ونتنزه، وكان الطلبة في غايةالخشونة مع الطالبات، وكانت شادية معنا، وعندما رأت أن المزاح يخرج عنحدِّه تجنَّبت الطلبة وأبدت امتعاضها، والحق أن هذه الفتاة تمتاز بحياء لم أعرفه في جميع مَن عرفت من الطالبات هنا. وعندما عدنا إلى الإسكندرية كانت الساعة الثامنة مساءً، وكنا في أشد الجوع، وتناولنا أنا وهي بعض السندويتش في محطة الرمل. وبينما أنا أودِّعها إذا بوالدها يقابلنا، وقد قدمتني إليه شادية؛ وهو رجلمسن يقارب السبعين، وقد رأيت أن فمه يحوي السن البارزة التي تمتاز بهاابنته، ولم أتمالك أن ضحكت عندما رأيت سنه تبرز وهو يضحك كما تفعل ابنته بالضبط. وقد دعاني للزيارة، ولكني اعتذرت.58
والدي العزيز سلامي إلى والدتي وإخوتي سامي الإسكندرية في 5 يناير والدي العزيز قرأت خطابك، وثق أني مجتهد، وأن دروسي ليست صعبة، وأنا كنت أحيانًاأذاكر مع بعض الطلبة، ولكنهم كانوا يهرِّجون كثيرًا؛ ولذلك آثرت المذاكرة وحدي. ويوم الأحد الماضيدعتني شادية إلى أن أذاكر معها؛ لأنها لم تفهم شيئًا في كتاب الكيمياء، وقد ذهبت إلى بيتها وتغديت معها، وكان معنا والدها. ووالدتها تصغر زوجها بنحو عشرين سنة، وهي سيدة رشيقة متمدنة، والحق أن البيت كله متمدن، وجميع أثاثه أوربي الزي، وكان الغداء خفيفًا. وبعد الغداء عزفت شادية على البيان، ولم أكن أعرف أنها تعزف، وكانالدور الذي عزفته لنا من تأليف شوبان البولوني، ولم يدخل مخي، ولكن شادية قالت لي إني لم أتعود الأدوار الأوربية، وعندما أتعودها سأتذوقها. وبعد الغداء خرجت أنا وهي وسرنا معًا على الكورنيش، وكان حديثنا عن المحاضرات والسياسة. وعدنا إلى بيتها وذاكرنا المحاضرات معًا، وشرحت لها الصعوبة التي كانت تشكو منها في الكيمياء. سلامي إليكم جميعًا. سامي الإسكندرية في 25 فبراير والدي العزيز استغربت عودتك إلى تحذيري من الزواج، مع أني قلت إني لا أفكر في هذا الموضوع بتاتًا، وعلاقتي بشادية هي علاقة الزمالة فقط. كانت الإسكندرية هذه الثلاثين أو الأربعين يومًا الماضية فريسة للبردوالمطر والعواصف، وقد أنفقت كل ما كان لدي من النقود في شراء بعض 59
الملابس؛ حذاءين وجوارب وكرافتات ومناديل؛ لأني رأيت أن أعُنى بهندامي،فأرجوك أن تسعفني بعشرة جنيهات، وأتعهد بأني لن أطلب زيادة في الشهر القادم. سامي الإسكندرية في 17 مارس والدي العزيز أنا أنتظر مجيئك للإسكندرية بنافذ الصبر؛ وذلك كي تزور عائلة شادية؛فإني أحب أن يكون بيتنا متمدنًا مثل بيتها، مفروشًا بالأثاث العصري. ووللهيا أبي، إني لم أعرف امرأة في مثل الأدب الذي تتسم به والدة شادية، وهي تعاملني كما لو كنت ابنها، وتقول لي: إنت أخو شادية. وقد علمتني شادية العزف على البيان، ومع أني لا أقرأ النوتة كما تقرؤهاهي فإني حفظت دور شوبان عن ظهر قلب وأتقنته، حتى إن شادية نفسها تقول إني أعزف هذا الدور بأحسن مما تعزفه هي. ونحن نجدُّ في المذاكرة هذه الأيام، ونبقى إلى منتصف الليل ونحن نذاكر بينما تكون أمها ووالدها قد ناما. وقد قالت لي شادية إنها حين تتخرَّج ستفتح عيادة حرة في الإسكندرية، وإنها لن تتوظف. والغريب في شادية أنها ساذجة لا تتخذ من الملابس سوى البسيط الذيلا يلفت النظر، حتى الحذاء لا يرتفع على كعب عال، وهي تقص شعرها ولاتضع شيئًا من المواد المجمِّلة على وجهها، وشعرها يشبه شعر أمي كثيرًا،وأعني أنه ليس ناعمًا كل النعومة، وقد اعترفت هي بأن شعري أنعم من شعرها. سلامي إليكم جميعًا. سامي 60
والدي العزيز الإسكندرية في 31 مارس والدي العزيز قرأت خطابك، وقرأت تحذيرك لي للمرة المئة بألا أتزوج إلا بعد أن أتخرج. وأنا أعاني أوجاعًا وآلامًا هذه الأيام لا أكاد أطيقها؛ فإن الأرق يستولي عليَّ،وأحيانًا أبكي بلا سبب، وقد ساءت معدتي، وأحيانًا أنسى أن أتغدى، وبدلًامن المذاكرة، أو بعد المذاكرة، أخرج إلى الكورنيش وأسير عليه ساعات وأنا لاأدري ما أفعل، وقد قصدت إلى أحد الأطباء فقال لي إن في معدتي حموضة، وكتب لي عن الدواء، وأنا أرجو أن أشفى قريبًا. سامي الإسكندرية في 12 أبريل والدي العزيز أرجو أن تسامحني، لم أطق الصبر. تزوجت شادية، وأنا أقيم في بيت والديها، ونذهب كل يوم معًا إلى الكلية، وستحتاط هي حتى لا تحمل، وسنبقى بلا أولاد إلى أن نتخرج. أبي، سامحني، سامحني، سامحني. سامي 61
الفصل الثالث عشر
لكن الله يرحمه
للكن بالطبع — هذه الذكريات القديمة كانت تأتي في آخر المناقرة، وعندماتحس أن الموضوع الحاضرقد استنفذ كل ما يتحمل من ألوان البيان اللغوي. كانت للسيدة أنيسة فنون لغوية في المناقرة، وكانت تناقر زوجها في كل وقت؛ في الصباحعندما يتناول القهوة، وعقب الغداء حينما يحب أن يرتاح في سريره، وفي المساء أيضًاقبل النوم؛ حتى يحلم برقتها ولطفها، ولكنها كانت تختار وقت القيلولة عندما يكون موضوع المناقرة خطيرًا. وكان زوجها السيد راجي رجلًا في الخمسين، موظفًا في وزارة الأشغال، حيث كانيؤدي عملًا كتابيٍّا تافهًا، وقد التحق بهذا العمل حين كان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، وبعدسبع وعشرين سنة لم يزد مرتبه غير أربعة جنيهات، ولم يزد فهمه لعمله، أو لم يتفرعهذا الفهم إلى شئون أخرى تزيد اهتمامه؛ إذ كان عملًا متكررًا لا يخرج عن ثلاثة دفاتركبيرة، يملؤها كل يوم، في أعمدة معينة بكل ورقة منها، عما يصل إليه من مراسلات؛ولذلك، مع أنه كان ساخطًا على ضآلة مرتبه، فإنه لم يكن ليجد المبرر لزيادته، بل إنه كان يتساءل أحيانًا: لماذا زادوه أربعة جنيهات مع أن عمله لم يزد؟ وكان أسوأ ما يسخطه، من حيث لا يدري، أنه كان في تعس ذهني؛ إذ لم تكن لههواية تسرِّي عنه مضض العيش؛ فلم يكن مغرمًا بقراءة الصحف أو المجلات، ولم يكنمهتمٍّا بشئون السياسة، وكان انطوائيٍّا لا يحسن الصداقة ولا يتآلف الأصدقاء، فكان منبيته إلى مكتبه، ومن مكتبه إلى بيته، أو بالأحرى من زوجته إلى مكتبه، ومن مكتبه إلى زوجته!
وكان الجيران والزملاء في المكتب يظنون أنه رجل مستقيم، ولكنه هو كان يعرفنفسه أكثر؛ وهو أنه كان يكابد الحياة مكابدة بلا مسرات، وبلا استطلاعات، وبلا مغامرات. وكانت زوجته مثله، بل أكثر في مكابدة الحياة؛ لأن السأم كان يخيِّم على نفسهاكما لو كانت غيمة، وكانت تتأمل أحوال الناس فترى الأزواج يرتقون في الوظائف، أو يزدادون ثراءً إلا زوجها، هذا الزوج الراكد الذي لا يعرف غير الأكل والنوم. وكانت السيدة أنيسة تحس احتقارًا لزوجها، ولكنها لم تكن تعرف علاجًا يجعلهينتقل من الركود إلى الحركة والارتقاء؛ ولذلك كان هذا الاحتقار يتجسَّم أحيانًا في سبابجنوني، حتى لقد كانت تصفه بأنه بَقَّة يمص دمها، وأنه نحلة تلسع جلدها، وكان المسكين ينظر إليها وهو صامت؛ اعتقادًا بأن صمته يخفف من توترها. وكان الموضوع الذي يتكرر في المناقرة أن ابن عمها كان يريد أن يتزوجها، ولكنههو جاء لنحسها، وآثرته أمها عليه فتزوجها، مع أن ابن عمها الآن يبلغ مرتبه ضعف مرتب زوجها. وكذلك لم تكن تنسى أن أمه؛ أم زوجها، التي ماتت قبل خمس سنوات، كانت تعاكسها، وكان كل الناس يقولون له انفصل أنت وزوجتك عنها، ولكنه لم ينفصل. لقد عاشت مع أمه أكثر من عشرين سنة وهي في عذاب، ولم يرحمها هو، ولم ينفصل. ولكن — بالطبع — هذه الذكريات القديمة كانت تأتي في آخر المناقرة، عندما تحس أن الموضوع الحاضرقد استنفد كل ما يتحمَّل من ألوان البيان اللغوي! وكان الموضوع الحاضر أن أخته قد زارتهم، وأنها؛ أي السيدة أنيسة، كانت قدطلبت من زوجها ألا يزورها، وأنه لو كان قد استمع لكلامها لما زارتهم، وها هي قدجاءت أمس فجعلت تنتقد كل شيء، فقالت: إن زجاج النوافذ يحتاج إلى تنظيف وجلاء!بل دخلت المطبخ وسألت عما فيه، ولم تنسَ أن تقول: إن البصل قد فسد من الرطوبة،وأنه يجب أن يوضع في الشمس! ما شأنها هي؟ ولماذا تأتي إلى بيتنا؟ وهل ذهبت هي إلى بيتها ودخلت مطبخها؟! هل ماتت أمه وجاءت أخته كي تكون حماتها بدلًا منها؟! وكان السيد راجي معتادًا على هذه المناقرات، وكان يخفِّف من حدة زوجته بالنكتةأو الكلمة الرقيقة، ولكنه في هذا اليوم جاء متعبًا من مكتبه، فتناول غداءه وهو صامت، وآوى إلى سريره يريد الراحة. 64
لكن لله يرحمه وما هو أن انتهت السيدة أنيسة من تناول غدائها حتى هُرعت إليه، وقعدت علىكرسيإزاء السرير، وشرعت تعيد عليه بضعة ألحان قديمة بمناسبة بضع حوادث حديثة؛ لأن الشيء بالشيء يذكر. فقد حدث صباح اليوم أنها عرفت أن خادمتهم السابقة، التي تركتهم منذ سبعةشهور، تخدم هذه الأيام في بيت شقيقه، وأنها؛ أي السيدة أنيسة، كانت قبل ثلاث سنواتالتي كانت قد خرجت من بيت ابن عمه، ولكنه؛ أي زوجها، « أمينة » قد طلبت استخدام استنكف وقال لها: لا يجوز لنا هذا؛ لأن زوجة ابن عمي ربما تعتب علينا. والآن ماذا يقول؟ ها هي خادمتهم القديمة تخدم الآن في بيت شقيقه، لماذا لم يستنكفوا هم؟! إن معيشتها معه عناء وعذاب، ولو أنه كان يحبها لكان يسمع كلامها، ولكنه لا يحبها. وكان زوجها مستلقيًا على السرير لا يتكلم، وزاد هذا من غضبها، فأعادت كلامهاوارتفع صوتها، وكانت معتادة أن تجد الكلمة اللطيفة التي تخفف من حدِّتها، ولكن زوجها هذه المرة لم يرد، بل بقي صامتًا. وصاحت به، بعد أن تعبت: لماذا لا يرد؟ لماذا لا يقول الحق؟ ولماذا تعيش معه في هذا الذل؟ ولكنه لم يرد. ونهضت السيدة أنيسة وهي حانقة مجنونة، وهزته وهي تقول: رد! رد عليَّ. ولكنها أحست فيه جمودًا غريبًا، حتى صار جسمه كله يتأرجح يمنة ويسرة وهيتهزه، ففزعت وتراجعت للوراء، ونادت الخادمة، وجعلت الاثنتان تهزان السيد راجي، ولكن بلا جدوى؛ لقد مات. وبعد خمس سنوات كانت بالبيت زائرة، وجرى الحديث عن السيد راجي، فقالت أرملته السيدة أنيسة. كان دائمًا يعاكسني ويناقرني، حتى ساعة موته، قعدت ألاطفه وأسليه بالحديث، » !« فلم يرد عليَّ، ولكن لله يرحمه 65
الفصل الرابع عشر
العمارة ليست ملكه
عمارة لم تكن لتزيده أمانًا في الدنيا، أو صحة في الجسم، أو حكمة في العقل، أو رفاهية في العيش. كنت قاعدًا على قهوة جميلة في الجيزة، وكان الحر لا يطاق، وراقني منظر الكوبالممتلئ بالماء المثلج والذي تكاثفت رطوبة الجو على سطحه الخارجي بما يشبه الضباب،وأحسست ارتياحًا إلى هذا المنظر، فجعلت أتمزَّز الماء من غير عطش، وأنا ألتذ برودته، وأحس كأن حر الجو قد خف. وشربت القهوة في أناة وتبلد واسترخاء، وجعلت أتأمل نضرة الأعشاب وجمالالصبيان الذين يلعبون حول الموائد، وبينا أنا كذلك إذا بثلاثة قد دخلوا وقعدوا إلى مائدةجواري، وكان أحدهم شيخًا سمينًا معممًا يكاد الدم يثب من وجهه، وكان معه اثنان منالأفندية، وقد اتضح لي من حديثهم أنه مقاول ثري يملك عدة عمارات في القاهرة، وأنهذين الاثنين من مستخدميه، وكان صوته يعلو في غضب، ويده تدق المائدة وهو يجادلهذين العاملين اللذين يبدو أنهما قد أهملا بعض شئونه بحيث قد أدى هذا الإهمال إلى احتمال ضياع إحدى العمارات، وقال: – لو أنكم كنتم قد احترستم في كتابة العقد بيني وبين الشيخ مصطفى لما كناوقعنا في هذه القضية التي ربما نخسرها اليوم، أعوذ بالله يا ربي! خسارة 15 ألف جنيه، من يطيق هذا؟ وأنتم السبب؛ لو كنتم احترستم في كتابة العقد. وكان الأفنديان العاملان عنده يخففان عنه، وقال أحدهما وهو يتضاحك: – ولله يا شيخ محمد الدنيا بخير، إنت عندك خمس عمارات غيرها، إيراد كلواحدة منها فوق المئة من الجنيهات كل شهر، أكبر من مرتبات ثلاثة وزراء، افرح يا شيخ واتهنا.
ولكن الشيخ محمد بدلًا من أن يفرح حمي وغضب، ورأيت يده وهي ترتعش وتضرب المائدة من جديد بعنف، وهو يقول: – أنا أئتمنه وهو يخونني؟! الشيخ مصطفى كان عاملًا عندي قبل عشرين سنة،وكان يشكر لله على أني كنت أعطيه ثلاثة جنيهات في الشهر، ثم جعلتهشريكًا لي بقيمةالعشر، ثم الخمس، ثم النصف في المكسب، حتى اغتنى وأصبح مقاولًا مثلي! أنا انتشلتهمن الفقر إلى الغنى، أنا جعلته من الأعيان، أنا يخونني ويكتب العقد كي يخطف العمارة مني؟ هل هذا شرف؟ هل هذا عدل؟! وهنا قال له أحد الأفنديين: – إنت عندك خمس عمارات، تبكي على السادسة ليه؟ حتى لو خسرتها اليوم إنت غني عنها! وهنا زاد غضب الشيخ محمد، فرفس بقدميه، وضرب المائدة، وقال: – أخسر القضية ليه، أخسرها ليه؟ أنا صاحبها، ولله لو خسرتها هذا اليوم ليكون بيني وبين الشيخ مصطفى دم، دم، دم. وعاد الأفندي الآخر يهدئ من روع الشيخ محمد ويخفف عنه، ولكن الشيخ محمدكان ينتفض على كرسيه، ويده ترتعش، وقدماه تحفران الأرض، ويكاد الدم المحتقن يمزِّق وجهه ويَطفِر منه. وفهمتُ أن القضية معروضة هذا اليوم أمام المحكمة في القاهرة، وأنهم ينتظرون تليفونًا عن الحكم. ولم يمضِ قليل حتى جاء الجرسون وهو يقول: الشيخ محمد بك، تليفون. ونهض أحد الأفنديين، وغاب لحظة عاد بعدها وهو ساهم منكَّس الرأس، وهو يقول: – خسرنا القضية، وحُكِم لمصلحة الشيخ مصطفى. وهنا رأيت منظرًا ملأني كراهة ورحمة معًا؛ فإن وجه الشيخ محمد احتقن، وغشيتهزرقة، وجعل ينتفخ، ثم رفس ووقع على الأرض كأنه حيوان مذبوح، وانتفضت أنا وأنا أصرخ: ماء بارد، ماء بارد! وجعلنا نصب الماء على وجهه، وفككنا أزراره، وأغرقناه بالماء البارد، وتركنا أحدالأفنديين إلى المدينة يبحث عن طبيب، وصرنا نهز الشيخ محمد، ونقعده، ثم نلقيه علىظهره، ثم نفعل العكس، ولكن بلا أية فائدة، فإن المسكين كان قد مات بالنقطة أو بالسكتة، لا ندري. 68
وجاء الطبيب، فصدَّق على موته، وحُمِل المسكين جثة جامدة، وعدت أنا إلى مائدتي،وجعلت أنظر إلى المائدة التي كان عليها هؤلاء الثلاثة، وأتأمل هذا الشيخ محمد، السمين،الدموي، الذي يملك خمس عمارات، قد باع حياته كلها من أجل عمارة لم تكن لتزيده أمانًا في الدنيا، أو صحة في الجسم، أو حكمة في العقل، أو رفاهية في العيش. وكان جسمي لا يزال ينتفض، وحاولت أن أشرب قليلًا من الماء، ولكن يدي ارتعشت، فتركت الكوب وأنا أقول: – حرام عليك يا شيخ محمد، أيتمت أطفالك بطمعك وسوء عقلك، رحمة لله عليك! هذه الدنيا، هذه الدنيا!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق