الأحد، 24 سبتمبر 2017

الفصول من 15 إلى 19




الفصل الخامس عشر

 إلى المعاش 



أربعون سنة من عمره وهو قاعد إلى مكتبه يؤدي الأعمال التكرارية الكتابية كل يوم، وكانت ساقاه قد عرفت الروماتزم، وكان قلبه قد تضخَّم بالشحم، وكان فمه خلوًا من سنٍّ طبيعية. كان حسن أفندي موظفًا بمكتب البريد في كفر الزيات، وكان قد قارب سن المعاش؛ فهو يتوق إلى اليوم الذي يجد نفسه فيه حرٍّا لا يرتبط بمواعيد الصباح وبعد الظهر بالمكتب؛ وذلك حين يحال على المعاش. وكان يتردد على المكتب صعلوك من أولئك الصعاليك الشعراء الذين يجولون في شوارع المدن، ويتسكَّعون على أبواب المكاتب والمتاجر، ولم يكن يملك قرشًا واحدًا، ولكنهكان يعرف جميع الذين يملكون القروش في كفر الزيات؛ يزورهم ويأكل على موائدهم بعض نقودهم، ولم يكن أحد من هؤلاء المتيسرين يكره لقاءه؛ لأنه كان « يقترض » و على الدوام يحمل من الأخبار، ويروي من النكات، عن أعيان البلدة ما يجعله محببًا إلى القلوب. يتردد أيضًا على ،« غراب » وكان هذا الصعلوك، الذي كان يسميه جمهور عارفيه حسن أفندي، وكان يفرض عليه الضريبة التي يفرض مثلها على من يعرفهم في كفرالزيات، وكان عقب انتهاء العمل في مكتب البريد، حين يخرج حسين أفندي إلى القهوة، يوافيه هناك ويقعد إليه يتحدث معه عن السياسة والقيل والقال. وكان غراب شاعرًا وفيلسوفًا معًا؛ فقد انتهى إلى أنه يستطيع أن يستغل مواهبه فيالحديث، ومعارفه عن العيش، كي يعيش هو، ونجح في ذلك؛ فإن وجباته كانت مكفولة،كما كانت ملابسه محفوظة له عند جميع الذين يشترونها، فما هو أن يمر عليها عام أومنهم، ولكن العارية عنده لا تعود إلى صاحبها! « استعارها » عامان حتى يكون هو قد

ولم تكن غزواته مقصورة على كفر الزيات؛ فإنه كان أحيانًا يسأم المقام فيهافي دمنهور، وكفر الدوار، وطنطا، وشربين، وغيرها، « أصدقائه » ويخرج منها إلى زيارة وكان أحيانًا يسير إلى هذه المدن على قدميه بين الحقول، وأحيانًا يركب القطار. لأنه كان من ناحية يروي أبياتًا رائعة لحافظ ؛« شاعر » وكان يصف نفسه بأنه وشوقي، ومن ناحية أخرى كان يؤلف أبياتًا من الشعر موزونة، أو كالموزونة، بحيث يحوي البيت أحماضًا تلسع وتكوي إحدى الشخصيات التي تكون قد بخلت عليه. ولم يكن يفوته عدد من الجرائد أو المجلات التي تستحق القراءة؛ فإنه كان يستعيرها ويُعنى بردِّها، على خلاف عاداته في الاستعارة. وأصبح غراب شخصية مغبوطة عند البعض، ومحتقرة عند البعض، أو كانأصدقاؤه يحتقرونه، ولكنهم كانوا يكنُّون له حسدًا؛ لأنه يعيش ويستمتع بالدنيا بلا كدٍّ وبلا مواعيد وبلا مسئوليات وبلا هموم. وأتمَّ حسين أفندي الستين، وأحيل على المعاش، وودَّع زملاءه في المكتب وخرج، وتلقاهغراب وهنأه، ودعا له بطول العمر، وقصد الاثنان إلى القهوة حيث قعدا أكثر من ساعتين،وكان حسين أفندي فرحًا بهذه الحياة الجديدة، وكان يمنِّي نفسه أيام العمل بالمكتببأنه سيحيا عقب الإحالة على المعاش كما يحيا غراب، بل إنه سوف يستمتع بشيخوختهأكثر من غراب؛ لأنه لن يحتاج إلى أن يذل ويستجدي الطعام والشراب كما يفعل غراب.ولكنه كان يقارن بينه وبين غراب، مع فارق كان يجهله؛ ذلك أن غراب، الذي كانقد تجاوز الستين، كان لا يزال شابٍّا في صحة الجسم وتنبُّه العقل؛ فإن حياة الصعلكةوالتجوال التي عاشها كانت بمثابة الرياضة البدنية والذهنية التي تديم الشباب، أما هوفقد قضى أربعين سنة من عمره وهو قاعد إلى مكتبه يؤدي الأعمال التكرارية الكتابيةكل يوم، وكانت ساقاه قد عرفت الروماتزم، وكان قلبه قد تضخَّم بالشحم، وكان فمه خلوًا من سنٍّ طبيعية! وكان حسين أفندي أيضًا يعجز العجز كله عن أن يؤدي أي عمل يشغل به حياتهبعد المعاش؛ فلم يكن أمامه غير الترداد على القهوة طيلة النهار وبعض الليل، يتأمل المارة، أو يلعب ألعاب الحظ السخيفة. ومع أنه كان فرحًا ببلوغه سن التقاعد، فإنه لم يمضِ عليه ثلاثة شهور حتى كانقد سئم هذا الركود، فكان يستيقظ في الصباح، ويقعد على سريره، وينظر ساهمًا إلى 

جدار الغرفة ويقول: هل هذه حياة؟ إلى أين أخرج؟ إلى القهوة؟ وماذا أفعل؟ كما فعلتأمس وكما سوف أفعل في الغد؟ في كل يوم؟ أتأمَّل المارة ولعب الطاولة؟ وهل أبقى على هذه الحال إلى أن أموت؟ عشر سنوات؟ عشرين سنة؟ هذا هو البؤس! وجعل يتأمل حال غراب؛ إن غراب نشيط، نحيف، طروب، يتنقل من قهوة إلىقهوة، ويؤانس الناس ويضاحكهم، وهم يقدمون له الطعام والشراب راضين، بل هوينتقل من بلدة إلى أخرى ضيفًا على كل من يلاقيه، والجميع يحبونه ويستخِفُّون ظله،أما هو فإنه مقيد بالروماتزم لا يستطيع أن يمشي مئة متر حتى يكون قد لهث وعرق. إنه بلا شك أصغر سنٍّا من غراب، إذا كان العمر يقاس بالسنين، ولكن غراب يستمتع بالشباب كما لو كان في سن العشرين. ثم يعود إلى نفسه وهو في حسرة الأسف ويقول: لماذا لم أتعلم فنٍّا أو تجارة أمارسهاوأشغل بها وقتي؟ لماذا لم أتعوَّد الرياضة حتى أستعد لهذه الشيخوخة؟ أنا لست في المعاش، أنا في المرض! وخرج ذات صباح مبكر وقصد إلى القهوة التي لم يكن الخادم قد هيَّأ كراسيهابعد، فانتحى إلى كرسي متطرف، وقعد يجترُّ سأمه في ذهول، وإذا بغراب يحيِّيه تحيةالصباح في ضحك كأنه عصفور يغرد، وأخبره بأنه مسافر إلى دمنهور لقضاء يومين أو ثلاثة أو أسبوع، لا يعرف. وبعد أن شرب غراب معه القهوة نهض وسلَّم مودِّعًا. وتأمَّله حسين أفندي وهو يسير في خفَّة وسرعة، كأنما يرقص، وكأنه لا يحس أثرًا لشيخوخته، فامتلأ قلبه غيظًا من نفسه وحسرة عليها، ثم صمت وحاول أن يفكر. وبعد قليل، قال كأنه يخاطب شخصًا آخر: – كنت موظفًا محترمًا، وكان هو صعلوكًا شحاذًا، أما الآن فإني طريد الدنيا وهو خطيبها؛ إنه ينتظر الحياة وأنا أنتظر الموت! 





الفصل السادس عشر

 صوت الشيخ 



كنت أقرأ آلام نفسمصرية، هي واحدة من شعب حاول أن يرتفع من العبودية إلى البشرية، ولكن المستبدين والمستعمرين أبوا عليه ذلك! عندما رأيت صورته المعلقة إلى الحائط مَثُلت أمامي حياته الماضية، ولكني عندما تأملت وفاته وقفت مترددًا أيهما كان أجمل وأكثر عبرة: حياته أم مماته؟ فقد دعاني صديقي إلى زيارته في منزله القديم في عابدين، فلما دخلت المنظرة؛ أيغرفة الضيوف المجاورة للباب، وجدت هذه الصورة، وكانت لرجل في السبعين أو حواليذلك … ووقفت أتأمله طويلًا؛ فقد نقلت صورته وهي خالية من هذه اللمسات العصريةالتي تحيل كلامنا أمام العدسة الفتوغرافية إلى بطل، فكان رأسه منحنيًا، والغضون تملأوجهه، وفي عينيه همٌّ يرزح به وكأنه لا يطيقه، وسألت صديقي عنه، فقال: هو أبي، مات في 1908 ، في السبعين أو الثانية والسبعين. ؛ وزادني هذا الكلام إكبابًا على الصورة، وقلت في نفسي: مات في السبعين في 1908 أي إنه ولد في 1840 قبل نهاية ولاية إبراهيم ومحمد علي بثماني سنوات، رأى أول خطللسكك الحديدية، ورأى افتتاح قناة السويس، ورأى ثورة عرابي، ورأى فظيعة دنشواي،يا له من تاريخ! لو أن هذا الرجل كان قد كتب لنا تاريخ حياته، وذكر لنا ما انطبع فينفسه منها، لكانت لنا من هذه الحياة ذكريات ممتعة أليمة، كنا نعيش بها في السنين الماضية، ونقرأ بها تاريخ آبائنا وجدودنا. وعدت أتأمل الصورة، وجاءت القهوة، ولكني بقيت مكاني أتأمل هذا التاريخالقديم، وأقرأ في العينين والفم والجبهة، وفي هذا الانحناء بالرأس الذي يشبه الاستكانةوالتسليم — كنت أقرأ آلام نفس مصرية، هي واحدة من شعب حاول أن يرتفع من العبودية إلى البشرية، ولكن المستبدين والمستعمرين أبوا عليه ذلك!

وصارحت صديقي بإحساساتي، فقال: إذا كنت تتأمل صورته وتفكر في كل هذا الذي مر بحياته فاسمع إذن وتأمل في مماته. قلت: مماته؟ وماذا يكون في الموت؟ لقد استلقى على سريره ثم فاضت، هذه مسألة ساعة أو يوم. قال: لا، إنه كان يحب الشيخ سلامة حجازي. قلت: وأنا أيضًا كنت أحبه. قال صديقي: إن لموته قصة تحب أن تسمعها؛ ففي ذات يوم من 1908 ، وكنت أنافي العاشرة من عمري، وكانت أمي لا تزال حية، استيقظ في الصباح وقال إنه رأى الشيخسلامة حجازي في نومه، وإنه وبَّخه وعتب عليه أن يوافي الموت قبل أن يودعه، ثم بكى. قلت: خرف الشيخوخة؛ المسنُّون يبكون بسهولة لأقل الأسباب. فقال صديقي: أبي لم يخرف بتاتًا، بل مات وهو في كامل عقله وسلامة تفكيره؛فإنه مسح دموعه وقال مثلما قلت أنت إن بكاءه خرف، ولكنه في صباح اليوم التالياستيقظ وهو يقول: لم أعد أطيق هذا، ولما سألناه عاد إلى البكاء وهو يقول: الشيخسلامة حجازي جاءني مرة أخرى في الحلم وقال لي: كيف تموت قبل أن تراني؟ أهذا وفاء؟! ومع أني، أنا وأمي، كنا قد تلقينا الحلم الأول بالإهمال والاستهتار فإن هذا الحلمالثاني قد أثار فينا الاضطراب، فقالت أمي لي: اسمع يا إسماعيل، هذا المساء تذهب مع أبيك لحضور الشيخ سلامة. سنسمع، ودخلنا، وقعدنا في صف « رواية » وفي المساء ذهبنا، ونحن لا نعرف أية أمامي، وقعد أبي وكله آذان يستمع لأغاني الشيخ. وانطلق الشيخ سلامة يغني وكأنه عصفور قد خرج وانطلق من القفصالذي كانمحبوسًا فيه وصار يغرد، وصرت أحس كأن الجدران والسقف والأرض كلها تغني،وكانت قلوبنا تخفق ونحن في طرب يهزنا جميعًا، وقال لي أبي: في حلقي بكاء، ولكنيلن أبكي. وتماسك أبي حتى خرجنا، وركبنا الحنطور وهو يقول: الحمد لله، الآن أموت مرتاحًا! وانطلق الحنطور بنا إلى البيت، وكنا في منتصف الليل، والقاهرة هادئة نائمةمظلمة، والجو بارد طري، فانطلق أبي بالبكاء، وكانت دموعه غزيرة حتى لأحسست كأنه يريد أن يُخرج كل ما في نفسه من حزن ويسكبه على صدره.

صوت الشيخ فقلت له: أبي سنذهب غدًا ونرى رواية أخرى للشيخ سلامة. ولكن أبي قال: لا، حسبي هذا، لقد شبعت، لله يطيل عمرك يا شيخ سلامة! وتنهد واستراح وكفَّ عن البكاء. ودخلنا البيت، وتقبَّلت أمي أبي ضاحكة كما لو كانت تتقبَّل طفلًا قد عاد بعد أن اشترى لعبة، وضحك أبي ودخل ناشطًا إلى سريره ونام. واستيقظتُ في الصباح فوجدتهما؛ أبي وأمي، يشربان القهوة، وأبي يقصعليها ما رأى وما سمع في المساء السابق، وكان في نشوة واضحة وفي طرب لا يكاد يطيقه. ودخلت إلى غرفتي لألبس ملابسي استعدادًا للخروج، ولكني قبل أن أخرج قصدت إلى أبي حيث كنت قد تركته، ولكني وجدت أنه قد آوى إلى فراشه. وقالت أمي إنه قال إنه يريد أن يرتاح. وخرجت مطمئنٍّا، ولكن لم أكد أسير خطوات حتى أحسست كأن سيفًا يقطع رأسي ويقول: أبوك. ووقفت وأنا أرتعش، ثم هرولت عائدًا إلى البيت، وما إن دخلته حتى سمعتصراخ أمي: يا حبيبي. ووقفت أمام جثمان أبي وأنا جامد أخرس، ثم نطقت، وقلت: الحمد لله! لقد سمع أمس صوت الشيخ سلامة.





الفصل السابع عشر 

رؤيا 



ما أغرب هذه الحياة! الناس يقولون إن الزوجة تفرح عندما تموت حماتها، تصف حماتها في النعي بأنها أمها! « رؤيا » ولكن لما قرأت النعي في جرائد الصباح كذَّبت عيني؛ فقد وقفت عند هذه السطور: التي سعدتُ بحياتها ثلاثين سنة، « نعمى » أنعي إلى أصدقائنا أمي العزيزة وسأسعد بذكراها إلى يوم وفاتي. « رؤيا » وكنت أعرفهما، وأعرف السيدة المتوفاة نعمى، لم تكن والدة رؤيا وإنما كانتحماتها، وأعرف أيضًا أن عمْر رؤيا لا يقل عن خمسين سنة، ولو كانت السيدة نعمى والدتها لقالت إنها هَنِأت بحياتها خمسين سنة بدلًا من ثلاثين. وجعلت أتأمل النعي وأعود إلى قراءته، وقلت: ما أغرب هذه الحياة! الناس يقولونإن الزوجة تفرح عندما تموت حماتها، ولكن رؤيا تصف حماتها في النعي بأنها أمها! ولا بد أن القارئ قد استغرب هذين الاسمين: نعمى ورؤيا؛ فإننا قلَّما نجد الاسم الأول في مصر، أما الثاني فلا نعرفه، ولا نذكر أنه يطلق على فتاة مصرية. والواقع أنهما كانتا غريبتين؛ فإن السيدة نعمى كانت فلسطينية، وكانت قد جاءتمع زوجها وولديها إلى مصر قبل خمسين أو ستين سنة، ولما كبر ابناها وبلغا سنالعشرين، أو حوالي ذلك، فكرت أمهما في زواجهما، وكان أبوهما قد مات، وقصد الشابانإلى فلسطين كي يتزوجا من أقارب عائلتهما، ولكنهما لم يجدا في أقاربهما الفتاتين المنشودتين.

وبينما هما يهمَّان بالرحيل للعودة إلى مصر وجدا جِمالًا وخيامًا بالقرب من القرية التي كانت وطن أبويهما، فقصدا إليها للتفرُّج، وعرفا أن إحدى القبائل التي تضرب في جنوب فلسطين قد حضرت للنجعة، وأنها هي التي تملك هذه الجمال والخيام، فجعلا يتخللان الخيام ويتصفَّحان الوجوه، وكانت وجوهًا سافرة صريحة للرجال والنساء. ورأى كلاهما فتنة وجَمالًا في هؤلاء النساء البدويات، فجعلا يتحدثان إليهن، ويعجبان برقَّتهن، ويجدان حلاوة في لهجتهن العربية؛ فقد كان فيها من اللحن والغُنَّة والمد ما يشبه الدلال والغُنْج. ولم يبرحا فلسطين إلا بعد أن تزوج كل منهما فتاة من هذه القبيلة، وعادوا جميعًا إلى مصر. وفرحت أمهما بزواجهما، ووجدت في تعليم هاتين الفتاتين أساليب المتمدنين ما ملأ فراغها بالضحك والسرور؛ فقد كانت أخطاؤهما بدوية: أخطاء الفطرة التي لا تعرف شيئًا من التمدن ومركباته في السلوك والتصرف. وكان الجميع يعيشون معًا؛ الأم وابناها وزوجتاهما، ومع أن الحظ لم يسعد ابنيها بإنجاب الأطفال فإنهم كانوا يسعدون بالعشرة والألفة، وكان البيت يخيِّم عليه السلام، وتعمُّ أفراده الصداقة الحميمة، وكانت الأم مركز الحب والحنان للجميع. ثم دخل الموت هذا البيت؛ فمات الزوجان واحدًا بعد آخر في حمى التيفوئيد التي لم تمهل كلٍّا منهما أكثر من عشرين يومًا. وعمَّ البيت ذهول وصمت ووجوم، كأن الأم وزوجتي ابنيها، أو بالأحرى أرملتيهما،قد نسينَ الكلام؛ فكان التفاهم بالإشارة، وكانت وجبات الطعام تُنسى، وكان الليل يقلقه بكاؤهن، كل منهن في غرفتها. ومضى شهران، وقعدت نعمى في الصباح أمام زوجتي ابنيها، ثم بكت، ونهضت فغسلت وجهها وعادت إلى مكانها كأنها قد صممت على شأن، وأخذت أنفاسها وقالت لهما: – كل شيء بإرادة لله يا ابنتيَّ، لله أراد، لقد مضى على وفاة ابنيَّ شهران، وأنتما في الشباب، فلتذهب كل منكما إلى أمها، ولتنشد زوجًا، ولتبدأ حياة جديدة، وهذا حكم الله الذي لا يُرد، وهذا عرف الناس الذي يسيرون عليه، اذهبا تزوجا، وليبارك الله عليكما، وليعطكما ما حرمكما مع ابنيَّ. ولطمت الفتاتان وجهيهما، واستمر البكاء، وصار ثلاثتهن في مناحة. 

ومضت أيام، والسيدة نعمى تحض الفتاتين على ترك بيتها، واستجابت إحدى الفتاتين إلى طلبها، وتركت البيت، وعادت إلى أهلها في جنوب فلسطين، ولكن رؤيا أبت ترك حماتها، ورضيت أن تنزل عن الزواج كي تعيش معها، وقالت رؤيا: – هنا بيتي، هنا ذكرياتي؛ ابنك كان ينام معي في هذه الغرفة، سأبقى حتى أموت،أنام على المخدة التي كان يضع رأسه عليها، وألتحف بلحافه، وأشرب من كوبه، لا أستبدل بذكراه آخر، وسأعيش معك حتى يقضي الله بما يشاء. وبكت الاثنتان وتعانقتا، وعاشت رؤيا مع حماتها عشرين سنة، بعد عشر سنوات مع زوجها، وهذا هو المعنى الذي قصدتْ إليه حين كتبتْ في النعي إنها سعدت بحياة أمها نعمى ثلاثين سنة. وقاربت نعمى الثمانين من العمر، وأحست دبيب الموت، فجعلت تفكر في مستقبل رؤيا، وتتوسل إليها كي تتزوج، ولكن رؤيا كانت قد بلغت الخمسين، وأين تجد الرجل الذي يتزوج امرأة في الخمسين؟ وكانت رؤيا تأبى التفكير في الزواج، وتقول: لا تخشي شيئًا يا أمي بعد وفاتك؛فإني لن أعيش بعدك أسبوعًا أو أسبوعين، نحن حياة واحدة، ويجب أن نبقى كذلك إلى أن نموت. ولكن نعمى كانت، كلما أحست أنها تقترب من قبرها، تعود إلى التفكير في هذه الفتاة؛ لا بد أن تتزوج، وكانت تبكي وتتوسل إليها . وكانت نعمى تعرف رجلًا من معارف زوجها، وكانت سنُّه تتجاوز الستين، فبعثت إليه وحضر من فوره، وعرضت عليه نعمى الزواج من رؤيا، وقبل. ونهضت نعمى إلى غرفة رؤيا، وألبستها، وعطرتها، ورجَّلت شعرها، وجاءت بها إلى هذا الذي رشحته لزواجها، وعادت رؤيا شابة بها فتنة وسحر، وقعدت يتأملها خطيبها وقد أشرق وجهه بالسرور. وتم الزواج، بعد أن قبل الشرط الوحيد الذي شرطته رؤيا، وهو ألا تبرح منزل أمها نعمى، وقَبِل زوجها هذا الشرط، وعاش ثلاثتهم شهورًا إلى أن ماتت نعمى وهي هانئة بهناء رؤيا





الفصل الثامن عشر 

اختلفوا على الجهاز … 



ووجدتهم جميعًا ساهمين صامتين، كأنهم في مأتم وليسوا في عرس، وعندما قلت السلام عليكم لم أسمع رد التحية إلا من ثلاثة أو أربعة! كنت موظفًا في مركز بمديرية الغربية، وكنت على أحسن وأسعد ما أحب، ولكن المعاكساتالصغيرة التي يعتادها الموظفين جعلت مقامي في هذا المركز جهنم؛ فإن زميلًا لي كان قد جعل دأبه أن يناقرني مناقرة الضرتين، وكان يمشي بالنميمة بيني وبين زملائي من سائر الموظفين، وانتهيت إلى أنني يجب أن أسعى وأنتقل إلى مركز آخر، وكانت وظيفتي صغيرة، فلم يكن انتقالي صعبًا؛ لأن أمثالي يعدون بالمئات في المراكز، ويسهل الاتفاق مع أحد الموظفين على أن نتبادل مكانينا، ووجدت هذا البدل بسرعة موفقة، وكان المركز الذي نقلت إليه في مديرية البحيرة نائيًا نحو الصحراء الغربية. ومع أني وجدت صعوبات غير قليلة في المسكن والمأكل، فإني وجدت بعد نحو شهر سيدة أرملة تؤجِّر الدور الثاني من منزلها بأجر صغير، وعاينت المكان، ودرست الوسط، ووجدت أنه يوافقني، ونقلت كل ما أملك من أمتعة إلى مسكني الجديد. وكانت هذه السيدة الأرملة تشتري لي كل حاجاتي، وأحيانًا تطبخ لي ما تشتهيه نفسي، ووجدت في الموظفين الذين تعرفت بهم أنسة جديدة، تقارب الصداقة، لم أكن أعرف مثلها في مركزي السابق في مديرية الغربية. وكان يزورنا من وقت لآخر في مكتبنا في المركز مزارع يملك نحو عشرة فدادين،وكان ينفق علينا بسخاء ويسهر معنا، وكان يشرب الخمر بلا حساب، وكان مجونه ومزاحه يغلبان على حديثه.

وذات يوم، وكان يوم الخميس، كنت قاعدًا في غرفتي أرتاح بعد الظهر، وإذا بالسيدة الأرملة التي أسكن في منزلها قد صعدت إلى غرفتي ودقَّت الباب، ونهضت وفتحت لها، فبادرتني بقولها: الشيخ حسين أبو محمود في انتظارك تحت. ونهضت، ولبست ملابسي بسرعة؛ لأن الشيخ حسين أبو محمود هذا هو المزارع الذي ينفق علينا بسخاء. ونزلت أهرول وأنا أترقَّب مساء مليئًا بالأكل والشرب، وقابلني الشيخ حسين أبو محمود وصافحني في حفاوة مشرِّفة، وقال لي إني مدعو إلى منزل شقيقه هذا المساء بقريتهم؛ لأن بنته؛ أي بنت شقيقه هذا، ستتزوج هذا المساء، وأجبته بالإيجاب؛ إذ لم يكن من الذوق أن أرفض مثل هذه الدعوة، وسألته إذا كان قد دعا زملائي في المكتب، فقال: إنهم سبقونا إلى القرية، ولكنه جاء خصيصًا لي لأني لا أعرف الطريق. وركبنا عربة يجرها حصان مفرد هزيل، جعل يجرنا في بطء حتى وصلنا إلى القرية نحو الساعة الثامنة من المساء، وكنا في الشتاء، وكان الظلام حالكًا والبرد قارسًا، ودخلنا البيت ولم يكن هناك من علامات العرس سوى مصباحين كبيرين على الباب، واجتزنا الدهاليز العديدة حتى وصلنا إلى غرفة كبيرة، ودخلنا كلانا فوجدنا نحو عشرين رجلًا من الفلاحين والعرب، ووجدتهم جميعًا ساهمين صامتين، كأنهم في مأتم وليسوا في عرس، وعندما قلت السلام عليكم لم أسمع رد التحية إلا من ثلاثة أو أربعة. وقعدت على كرسي قريب من الباب، ثم رأيت الشيخ حسين أبو محمود يخرج ثم يعود، فينادي أحد القاعدين في صوت منخفض ويخرج، ثم يعود فينادي آخر، وأحسست بهرج لم أفهم معناه، وتطلعت أبحث عن أحد زملائي الذين قيل لي إنهم سبقونا فلم أجدأحدًا، وقدَّمني الشيخ حسين أبو محمود إلى شقيقه الذي سيُعقد زواج ابنته هذا المساء. وحدث هرج ثم ساد صمت، ودخل أحد المدعوين وهو ينتفض من الغيظ وهو يقول: خبيث، سافل، لئيم، يستحق الضرب بالرصاص. وخرج أحد القاعدين وقد أزبد فمه من الغيظ، وهو يصيح: ناس أولاد كلب، عدموا الشرف. ولم أفهم شيئًا من كل هذا، ولكني أحسست أن الجو لا ينبئ بالفرح والأكل والشربكما كنت أنتظر، ودخل عليَّ الشيخ حسين أبو محمود، وأخذني من يدي، وخرج بي إلى قاعة بعيدة وقعد إلى جانبي وقال: اختلفوا على الجهاز. فقلت: أي جهاز؟

فقال: العريس كان يطلب سريرين وسجادة عجمية، ولكن شقيقي أصر على سرير واحد وسجادة أفرنجية، وإلى الآن لم يحضر العريس، وقد بعثنا إليه فأقسم بأنه لن يحضر، وكلنا في خجل، وسيعرف أهل القرية كلهم في الصباح أن بنتنا تركها عريسها. فقلت: هذه والله كارثة! فقال الشيخ حسين: ليس الأمر كارثة، بل هو العار، نحن فلاحين، لكن فلاحين عرب، والعار سيبقى أبد الأبد لنا ولأولادنا. فقلت: الأمر لله يا شيخ حسين. فقال: ألا تصنع معروفًا، وتنقذ شرفنا وتتزوج هذه البنت هذه الساعة، ونحل هذه المشكلة بزواجك، ولو بضعة أيام؟ فكدت أضحك من هذا الاقتراح، ولكنه جعل يرجو ويتوسل ويقول إنه شرف العائلة . وبينما نحن في ذلك وإذا بفتاة، أو سيدة سمينة مبتسمة، تبلغ الثلاثين، قد جاءت تحمل كوبًا من الشربات وتقدمه لي، وقال لها الشيخ حسين: قبِّلي يد سيدك يا بنت. وقبَّلت يدي اغتصابًا بقوة وإجبار. وسحبني الشيخ حسين، كأنه يسحب خروفًا، إلى قاعة المدعوين، وأجلسني على كرسي، وقبل أن آخذ نفسي رأيت الفتاة السمينة المبتسمة تقعد إلى جانبي، والعقد يتمَّم في سهولة ويسر، كأننا كنا على ميعاد. وانبسط الحاضرون، وتكلموا، وأكلوا، وشربوا، وبت ليلتنا أنا والعروس معًا. وفي الصباح ركبنا العربات إلى بيتي في البندر، وبعد أيام جعلت أبحث عن العريس السافل الذي ترك عروسه من أجل الجهاز، فلم أجد اسمًا ولا خبرًا. وعرف زملائي ما حدث فجعلوا يضحكون ويسخرون مني، أما أنا فقررت بعد أن اتضح لي هذا النصب العلني أن أطلق زوجتي انتقامًا من الشيخ حسين وشقيقه. ولكن هأنذا بعد سبع سنوات لم أطلقها؛ إذ هي أم أولادي الثلاثة، وكلانا يحب الآخر ويحترمه، ويجد فيه أقصى ما كان يهوى من سعادة الزواج. ولكن شيئًا واحدًا فقط ينغص عليَّ، وهو أن الشيخ حسين عندما يشرب ويسكر يقص على مساهريه ومسامريه القصة على حقيقتها، ويفخر بأنه نصب عليَّ وزوَّجني بنت أخيه بخداعي بأني رجل شهم يجب أن أنقذ شرف العائلة، وأنه لم يكن هناك عريس، ولم يكن هناك خلاف على الجهاز. 





الفصل التاسع عشر 

موت عظيم 



إن له حقٍّا في أن يحيا على هذه الأرض كما نحيا نحن، بل لعل حقه أكبر من حقنا؛ إذ من يدري؟ فلعله قد ورثها عن آباء عاشوا نحو خمسين ألف سنة هنا، في هذه البقعة. حدثت هذه الحادثة في 1919 ؛ فقد كنت أقيم في الريف وأشتغل بالزراعة، وكانت عنايتنا كبيرة جدٍّا بالقطن الذي ارتفع ثمنه إلى خمسة وأربعين جنيهًا للقنطار، وحدث أن شكا إليَّ أحد المزارعين ذئبًا ضاريًا، يتعسس في الليل بيوت الفلاحين، ويفتك بما يجد من دجاج أو خراف أو ماعز، وطلب إلي أن أقتله. وخرجت قبيل الساعة الرابعة من الصباح، أنا وصديقي بهنساوي، نرصد هذا الوحش ونكمن له، ومعي بندقية صادقة لا تخطئ الهدف، وكان صديقي هذا بهنساوي،فلاحًا يبلغ الستين، وكان حكيمًا من أولئك الأميين الذين اكتسبوا من خبرة الدنيا ما يوهمك أنهم قد درسوا الكتب، وكانت له فراسة في الزراعة والأرض تُعجَب من صدقها، كأنه يبصر بما سوف تنتج. وكمنت أنا وهو خلف كومة من التراب نترقب، ولم يمضِ قليل حتى بدا لنا الذئب الذي كُلِّفت قتله، ورأيته يسير في خطوات سريعة لكن في غير هرولة، وكان عائدًا من صيد الليل إلى الجبَّانة القديمة التي يسكن في بعض قبورها. ورفعت البندقية، وسددتها إليه، وفتحت الزند، ولكني رأيتني أقف عن إطلاق النار،فإن شيئًا في هذا الذئب وقَّف يدي وجمَّد أصابعي؛ فقد كانت في وحشيته روعة وجمال،وأحسست أني إزاء عظيم من عظماء الطبيعة، بل إن الطبيعة نفسها كانت، بقطنها وقمحها، داجنة بالمقارنة إليه. وتلبَّثت أنظر إليه في إعجاب، وهو يسير برأسه المرفوع

وشهامته المتحدية، كأنه احتجاج على هذا التمدُّن الذي عمَّ حقولنا وأحالها إلى مزارع تجارية للقطن والقمح. وقال صديقي بهنساوي: اقتله، اقتله. ولكني أشرت إليه بالصمت، وجعلت أغذو عيني بجماله وروعته، واختفى الذئب، وتنهدت في ارتياح، وقلت لبهنساوي: إن مثل هذا الوحش لا يقتل. إن له حقٍّا في أن يحيا على هذه الأرض كما نحيا نحن، بل لعل حقه أكبر من » حقنا؛ إذ من يدري؟ فلعله قد ورثها عن آباء عاشوا نحو خمسين ألف سنة هنا، في هذه .« البقعة وجعلت أتحدث إلى صديقي حديثًا دينيٍّا عن الطبيعة والذئب، ولكنه نفض يديه في أسف كأنه يقول: أضعت الفرصة. وبقيت بعد ذلك أخرج، مع صديقي أو على انفراد، أكمن لرؤية هذا الذئب، أتحسس إحساس الطبيعة منه، وأجد في برودة الفجر وظلامه الأبيض، وفي النجوم الشاحبة التي توشك على الزوال، معاني قديمة حميمة كدنا ننساها بحياة التمدن التي نحياها. وانعقدت بيني وبين الذئب صداقة، وصارت لنا مواعيد للمقابلات في الفجر، بل إني كنت حين آوي في الليل إلى الفراش أذكر النهوض في الفجر، وأهنأ بهذه الذكرى، وأنام مطمئنٍّا إلى لقاء صديقي وهو يعدو شامخًا مهيبًا كأنه يتحدى التمدن. لقد أصبح هذا الذئب نداء الطبيعة ويقظة الضمير في قلبي، حتى لقد كنت أتحدث إلى نفسي بعيدًا عن الفلاحين، وأتساءل: بأي حق نخترع هذا الاختراع اللئيم، البندقية ، ونضع فيها سرٍّا مواد انفجارية، ثم نختبئ ونطلق هذه المواد على هذا الحيوان العظيم،فيموت وهو لا يرانا، يموت دون أن يجد الفرصة لأن يغرز سنٍّا من أسنانه البيضاء في أجسامنا؛ إن هذا لؤم ! إننا نعقد المصارعات والملاكمات، ونتسابق إلى قطع المانش سباحة، بل أحيانًا نصارع الثيران، وكل هذه المباريات تعود بنا إلى تلك الحال الوحشية التي كنا نحياها قبل عشرة آلاف سنة، وكنا مثل هذا الذئب، نخرج في الفجر وقد وضع كل منا حياته على كفه، فنصيد الوحش أو يصيدنا الوحش؛ البقاء للأصلح، وكنا نلقى مثل هذا الذئب، فإما حياتنا وإما حياته؛ تنازع البقاء. وكنا نموت على شرف، وفي ضوء النجوم الخافقة، في الفجر، وكنا نقع في أحضان الطبيعة. لا، بل بين أسنان الذئب أو الأسد، كنا نموت موتًا شريفًا عظيمًا، تصدِّق وتبارك عليه الطبيعة، وكأنها تقول: أحسنتم. 



أما الآن فنحن نموت موتًا مغشوشًا، مزيفًا، غير أصلي، نموت على الفراش، ثمنوضع على التراب، فتأكلنا الديدان على مهل مهين بدلًا من أن تنهشنا الذئاب في عجلة شريفة. وبقيت شهورًا وأنا هانئ بهذه الصداقة السرية بيني وبين الذئب، ولكني خرجت كعادتيفي أحد الأيام فلم أجده، وعمَّني القلق، وأطبق علي الخوف من أن يكون قد قُتل، وعدت كسيفًا. ولم تمضساعات حتى سمعت ضجة، وخرجت أبحث فوجدت غوغاء من الفلاحين يتصايحون في طرب، ويجرُّون خلفهم صديقي ميتًا على التراب. ووقفت في حزن أتأمل رأسه العظيم، وأسنانه البيضاء، وعينيه الحانقتين، وظهرهالأسمر، وبطنه الأبيض، وذنبه الأسود، وجعلت أتأمل كل عضو من أعضائه في حب وأسف. وقال أحدهم: مات مسمومًا؛ اشترينا له سمٍّا ووضعناه في فرخة ميتة فأكلها ومات. أي لؤم هذا؟ أي لؤم؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق