الفصل العشرون
افتحوا لها الباب
بنت فقيرة وجميلة، ومَن من فتيات القرية لا يتزوَّجنه وهو يملك فدانًا غير مرتب الخفر؟! تعارفا في الحقل عند القناة الصغيرة، وكانت مع عائشة عجلتها التي ترعى الأعشاب على شطي القناة، أما محمود فكان يحمل فأسه التي يعزق بها القطن قريبًا من القناة بعيدًا عن القرية. وكانا يتواعدان للِّقاء عند المصرف، وعند القناة، وهناك بين شجيرات النخل القليلة،وبين البرسيم الذي شرع يجف ويملأ الهواء بتباشير الدريس، كانا يقعدان ويتحدثان فيحياء، وكانت عائشة تقص عليه حوادث البيت الصغيرة، وماذا قالت جدتها عن العجلة، وماذا يريد أبوها أن يفعل بالعنزة العجوزة التي لم تعد تلد. وكان محمود يقعد إليها في صمت عصبي، لا يدري كيف يحتوي نفسه؛ فقد كانيستمع إليها ويده ترتعش، وقدمه تختلج، وتنهداته تتوالى، وهو يعتدل من وقتٍ لآخر كأنه لا يجد الراحة في مقامه أمامها. وكانت الساعات تمضي كأنها لحظات، وذات يوم جاء طلب لمحمود من العمدة؛ وزارة الحربية تطلبه للتجنيد. وأحس محمود أن أفكاره مبلبلةن لا يدري ما يفعل؛ هل يفر هو وعائشة؟ إلى أين؟ وذهب إلى العمدة وعرف المواعيد، متى يسافر للكشف؟ وقبل السفر بيوم قعد إلى عائشة عند القناة، وقبَّل يدها وذراعها، وعنقها، ووجهها،وتشمَّم رأسها، وبكى، وبكت هي أيضًا بعد أن قبَّلت يده، وتواعدا على الزواج عقبرجوعه من الخدمة العسكرية، ومع أن الحزن كان يغشيقلبها فإن أمل الزواج بعد سنة أو سنتين كان يملؤها بشجاعة وتفاؤل.
وسافر محمود إلى القاهرة، وبقيت عائشة وحدها في القرية، واستفاض الشباب فيجسم عائشة؛ فبرز صدرها وتورَّدت وجنتاها وضحكت عيناها، وتحدثت نساء القرية عن جمالها. وكان شيخ الخفراء في القرية رجلًا طيبًا يملك نحو فدان، وكان لذلك يعد منالأعيان الموسرين، وكان قد تجاوز الستين وماتت زوجته قبل ثلاث سنوات وخلَّفت له بنتين لم تتجاوز كبراهما العاشرة من العمر. وكانت له أخت تحبُّه وتحضر كل يوم إلى منزله لخدمته وخدمة البنتين، وكانت تعرف عائشة وتتحدث عن جمالها وفتنتها. وذات صباح، عندنا بكَّرت إلى بيت أخيها، وجدته قاعدًا إلى الموقد يهيِّئ القهوة،فقعدت إليه وشرعت تتحدث عن متاعبه وهو بلا زوجة وبلا ولد يرثه ويخلد اسمه،ولماذا لا يتزوج عائشة؟ بنت فقيرة وجميلة، ومَن من فتيات القرية لا يتزوَّجنه وهو يملك فدانًا غير مرتب الخفر؟! ونفضالشيخ على هذا الاقتراح بيديه استنكارًا وهو يقول: أنا رجل مسن، ومريض، ليَّ إيه في الزواج؟ فقالت أخته: ولكنك تحتاج للزواج لهذا السبب نفسه، امرأة تعتني بك وتريحك. وما زالت به تعاوده كل يوم بقصة الزواج من عائشة حتى قَبِل، وذهبت هي إلىوالدَيْ عائشة، واقترحت عليهما هذا الاقتراح الذي تلقَّاه الأبوان بالاستنكار أولًا، ولكنبعد أيام، وبعد المحاورة بينهما وبين عائشة، التي أصرت على الرفض، قَبِلا، ولم يكونا يعرفان شيئًا عن حب عائشة لمحمود، وتواعدهما على الزواج بعد عودته من الجندية. وأصرت وتمسكت عائشة بالرفض، وبكت وهددت بالفرار، ولكن أمها كانت تسوسها بخبرة الزوجة المجرِّبة، وقالت لها: – الشيخ علي رجل عجوز، تتزوجينه وبعد سنة يموت، ويكون لك ميراثه، وبعد ذلك تتزوجين أحسن الشبان في القرية؛ لأن لك الجمال والمال. وجمعت أمها النساء القريبات والصديقات، فألححن عليها حتى قبلت، وهي تؤمِّل التخلص بعد سنة أو سنتين؛ لأن الشيخ علي مريض ولن يعيش طويلًا. وتم الزواج، وكانت هي في العشرين وهو فوق الستين، واكتشفت بعد الزواج أنهيحتاج كل يوم إلى لزقة توضع على ظهره قبل النوم، فكانت تدفِّئها على النار، ثم ينبطح الشيخ علي وتضع عائشة اللزقة على ظهره، ثم تربطها.
وقد أحست بعد أن صارت اللزقة واجبًا أن الشيخ علي ليس زوجًا، وإنما هو طفل يحتاج إلى العناية كل مساء، وأن إهمال اللزقة قد يكون سببًا لموته. وزاد هذا الإحساس أنه كان طيبًا، يذهب إلى السوق الأسبوعية فيشتري لعائشةولبنتيه الحلوى والأقمشة الزاهية، وكانت هاتان البنتان قد تعلَّقتا بعائشة كما لو كانت أختهما. ومضىعلى الزواج أكثر من سنة وعائشة سعيدة بهذا الطفل الكبير الذي يحتاج إلى اللزقة كل ليلة، وبهاتين البنتين اللتين تعلقتا بها، وكادت أن تنسى محمود. وذات يوم عمَّ القرية هرج؛ فإن محمود قد عاد بعد أن أمضى الخدمة العسكرية،وسمعت عائشة هذا الخبر، فاعتكفت في غرفتها المظلمة وهي تحس كأن زلزالًا يزعزعثيابها ويبلبل أفكارها، وجعلت تستعيد ذكرياتها عند القناة، وتذكر وعدها لمحمود بأنها ستنتظره حتى يعود فيتزوجا. وظنَّ الشيخ علي أنها مريضة، فأرسل إحدى بنتيه لأمها كي تحضر وتؤنسها،وجاءت أمها فباحت لها عائشة بكلشيء؛ بحبها لمحمود ورغبتها في الطلاق كي تتزوجه.وارتاعت الأم من هذا الكلام، وأخبرتها بأن أهل القرية لو علموا به لكانت فضيحةلها ولوالديها، وتركتها، وحاولت أن تكتم السر على طريقة النساء، فباحت به فقطلصديقاتها، وباحت الصديقات لكل من كنَّ لا تعرفنه، وبلغ الخبر أخت الشيخ علي التي أسرعت إلى عائشة وجعلت تهدِّئ منها وترجوها البقاء مع أخيها. وتسرَّب الخبر إلى الشيخ علي، ووقع عليه كالصاعقة، ولكن الرجل كان حكيمًاورقيقًا معًا، وكان أيضًا يحب عائشة كما لو كانت بنته، فدعا أخته، وبعض الأقارب،ودعا المأذون، وأمام هؤلاء جميعًا أعلن الطلاق، وقال: افتحوا لها الباب، ربنا يعمل لها الخير، ربنا يبارك عليها. وكانت عائشة تسمع هذه الكلمات التي دارت في رأسها كأنها كانت تكويها بالنار،فنهضت وقعدت، ثم تأملت هذا الرجل العجوز، الذي يحتاج إلى اللزقة كل ليلة، وربما يموت إذا فارقته، فخرجت إليه وهي تبكي وقد اغرورقت عيناها بالدموع وصاحت: – هو أنا طلبت الطلاق؟ هو أنا قلت إني أخرج؟ أنا معك هنا لحد ما أموت أنا أو تموت أنت! ورد الشيخ علي يمين الطلاق ودموعه تنهمر.
الفصل الحادي والعشرون
هل أنا قتلته؟
وكان ينام بسهولة على يدي، فما هو أن ينطرح ويسترخي، وأمدد يدي على وجهه وصدره إلى ساقيه، حتى يكون قد غاب. عاد صديقي يلومني للمرة المئة لأني لا أمارس التنويم، أي التنويم النفسي، أو كمايسمونه، المغنطيسي؛ ذلك أنه كان قد مضىعلي أكثر من ثلاث سنوات وأنا مقاطع لهذاالفن، وكنت قبل ذلك أمارسه في السهرات للمؤانسة فقط، ولم أحترفه قط، وكثيرًا ماكنت أقول إنه أسوأ فن، وإن الحكومة يجب أن تمنع ممارسته؛ لأنه ينطوي على كثير منالممكنات السيئة التي يستطيع الرجل السافل أن يستغلها وينزل بمن ينوِّمه أو ينوِّمها أكبر الضرر. ذلك أن الشخص النائم يؤدي لنا ما نطلب منه كأنه آلة فقط، ليس له إرادة؛ فإذاقلنا له أنت لص تحب السرقة وتمارسها في خفة، وستفعل ذلك غدًا، فإنه حتى بعد أن يفيق من النوم يرتكب السرقة. كنت أقول هذا وأستنكر التنويم مع أني — كما قلت — كنت أمارسه عن نية حسنةمع بعض أصدقائي للمداعبة والمؤانسة، ولكني منذ ثلاث سنوات انقطعت عنه انقطاعًاتامٍّا؛ وذلك بسبب حادث ما زلت أتألم كلما ذكرته، ولا أعتقد أني سأعود إلى ممارسة هذاالفن، بل يقيني أن الحكومة تحسن كل الإحسان إذا هي منعته وعينت العقوبة القاسية لمن يمارسه. في « الفقراء » ذلك أني كنت قد قرأت في بعضالكتب التي تبحث أحوال من يسمون يستطيع أن يحبس أنفاسه ويقف نبضه نحو ساعة أو أكثر، بحيث « الفقير » الهند، أن « الفقير » لا يستطيع الطبيب الفاحصعنه أن يهتدي إلى أية دلالة على الحياة، ولكن هذا
يعود فيسترجع أنفاسه، كما يعود قلبه إلى النبض؛ أي يعود إلى الحياة، بعد أن يكون قد مات بضع ساعات. وفتنني هذا الكتاب، واشتريت غيره من الكتب التي تعالج هذه الموضوعات، وجعلتأحاول الإيضاح لهذه الظاهرة العجيبة فلم أجد لها تفسيرًا إلا في هذا التنويم النفسيالهندي يتخيل نفسه ميتًا لبضع « الفقير » الذي كنت أمارسه أنا مع أصدقائي؛ ذلك أن ساعات يستيقظ بعدها؛ أي إنه يوحي إلى نفسه الموت فيموت، ولكنه يموت، لميعاد، أو — كما نقول — إنه ينوِّم نفسه ثم يستيقظ في الميعاد الذي عيَّنه. وقلت في نفسي إني أستطيع أن أجرِّب هذه التجربة في أحد أصدقائي، وهو السيدمصطفى، وكان ينام بسهولة على يدي؛ فما هو أن ينطرح ويسترخي، وأمدد يدي علىوجهه وصدره إلى ساقيه، حتى يكون قد غاب، وعندئذ أوحي إليه ما أريد، فيؤديه كما لو كان شخصًا آخر. ولكني كنت أتردد في القيام بهذه التجربة؛ وذلك لاعتقادي بأن الشخص النائملا يخضع كل الخضوع؛ إذ أحيانًا يقاوم فلا ينام، وأحيانًا عندما أوقظه يرفض أنيستيقظ، وقلت: ماذا يكون لو أنِّي نوَّمته ودعوته إلى وقف نبضه وحبس أنفاسه، كمافي الهند، ثم رفضهو أن يعود إلى الحياة؟ ألا يمكن أن يكون الموت لذيذًا « الفقير » يفعل إلى حد أن يجد فيه الراحة الكبرى فيؤثره على يقظة الحياة؟ وترددت شهورًا لهذا السبب في تنويمه، ولكن الفكرة كانت تغريني وتتسلط عليَّ. وذات مساء زارني السيد مصطفى، وقعدنا نتحدث ونشرب بعضالمرطبات، وأوغلهو في المزاح حتى غاظني، فقلت أنا على سبيل المزاح: ولله يا مجرم لأقتلنك غدًا، ثمنهضت، وحدقت في عينيه، وقلت له: أنت في نعاس تتثاءب، قد اقتربت من النوم، رأسك يستند إلى الوراء، أنت على وشك النوم، أنت تنام. ثم جعلت أمسح وجهه وجسمه بيدَيَّ الاثنتين، وقلت: أنت نائم، تسمعني فقط،اسمع، غدًا وأنت في فراشك، في الساعة الثالثة بعد الظهر، سيأخذ نبضك في الانخفاضمن 70 إلى 50 إلى 30 ، إلى أن يبلغ الصفر، ويقف قلبك، وتنقطع أنفاسك كأنك ميت، ستكون ميتًا تمامًا؛ لا نفس ولا نبض، وسآتي إليك في الساعة الرابعة فأوقظك. وجعلت أكرر هذا الإيحاء، ثم أيقظته وهو لا يدري بما حدث، وتركني، وآويت إلى فراشي وأنا مطمئن ضاحك؛ سوف أراه غدًا ميتًا وسوف أوقظه. واستيقظت في الصباح وقد نسيت كل شيء، بل بقيت طيلة النهار وأنا مشغولبمهام أخرى أنستني السيد مصطفى، وفي الساعة الرابعة أو بعدها بقليل، جاءني خادم
السيد مصطفى وأخبرني وهو يبكي بأن سيده مات، وتلقيت الخبر أنا بالضحك الذيأذهل الخادم، وقد ضحكت لأني كنت أعرف السر، وكنت على يقين بأن كلمتين مني تعيدانه إلى الحياة. ولبست ملابسي وقصدت إلى منزل السيد مصطفى ومعي الخادم، ودخلت غرفتهفوجدت أخته تبكي، ومعها الطبيب الذي أحضروه، وكان قد أخرج ورقة يكتب عليها شهادة الوفاة. وقصدت من فوري إلى السيد مصطفى وهو منبطح على سريره شاحب جامد،فجعلت أمسح وجهه وجسمه، وأناديه، وأقول له: هذا ميعاد استيقاظك، انهض، استيقظ. وجعل الطبيب ينظر إليَّ في سخرية ويقول: إنه مريض بالقلب منذ سنتين وأنا أعالجه، وكانت تجيئه مثل هذه النوبات، وكان منتظرًا أن يموت في إحداها. وصعقت عندما سمعت كلام الطبيب، وقلت وأنا لا أدري دلالة ما أقول: أنت، أنت لم تخبرني بهذا. وقال الطبيب: أخبرك؟ ولماذا أخبرك؟! وجعلت أهرول في مسح صديقي، وأكرر له القول: أنت حي، استيقظ، هذا هو الميعاد، استيقظ أرجوك، أرجوك. وتحرك جفناه، ولعبت شفتاه، وفرحت، ووضعت أذني على شفتيه، وسمعته يقول بصوتٍ خافت: أنا في راحةٍ كبرى، الموت لذيذ، قلبي لا يؤلمني الآن، أنا ميت، أنا ميت. ثم أطبق شفتيه وصمت، وعدت أنا في هرولة جنونية أصيح وأصرخ: اصحَ، اصحَ لأجلي، نحن صديقان. ولكن كل هذا كان عبثًا؛ لأن حقيقة ما حدث أن قلبه المريض، الذي كنت أجهلهعندما نوَّمته، كان يؤلمه، وكانت تنتابه نوبات همود تشبه أو تقارب ما أحدثتُه له أنا بالتنويم، فلما وصل القلب إلى الوقوف بالتنويم رفض، أو عجز، عن قوته. ومضى على هذا الحادث ثلاث سنوات، ولا يكاد يمضي عليَّ يوم حتى أتساءل: هل أنا قتلته؟
الفصل الثاني والعشرون
قصة السبعة الكبار
وأنا أميل بثقافتي العلمية إلى الشك، هذا الشك العلمي الذي أوصانا به الفرنسي … « ديكارت » لقد عشت هذه السنين التسع الأخيرة، وحفِلت حياتي بكل ساعة، بل بكل دقيقة، منها،بحيث أستطيع أن أقول إني شاهدت واختبرت فيها أكثر مما شاهدت أو اختبرت قبلذلك في خمسين سنة، ولا أعني كثرة ما شهدت، أو وفرة ما رأيت من حوادث، وإن يكنقد زاد على المألوف زيادة كبيرة؛ فإن صفة الكيف فيه كانت أدعى إلى العجب من صفة الكم. لا، لم تكن الحوادث والاختبارات في السنوات السبع الماضية كثيرة فقط، وإنما كانتمختلفة عما كنا نألفه من قبل؛ ولذلك أنا أحاول، في الكلمات الموجزة، أن أستقطر العبرة من هذه الحوادث والمشاهدات، ولنبدأ في البداية. فحوالي سنة 1949 أو 1950 شاعت شائعات خرافية تقول إن أطباقًا تطير وتحطعلى الأرض ثم ترتفع، وأنها تمخر عباب الجو بسرعة آلاف الأميال في الساعة، بحيثلا يستطيع الناظر إليها إلا أن يخطف منها النظرة البرقية التي لا تعيِّن التفاصيل ولا توضح الأشخاص. وتكرَّرت هذه الشائعات، وكنت — وقتئذ — أحرِّر في إحدى المجلات فوردت إليَّ أسئلة بشأن هذه الأطباق، وما هي، ومن أين تأتي. « ديكارت » وأنا أميل بثقافتي العلمية إلى الشك، هذا الشك العلمي الذي أوصانا به الفرنسي؛ ولذلك حذفت الموضوع من رأسي، وأجبت هؤلاء السائلين بأن الأطباق الطائرةيحتاجون « رأوها » أسطورة، وأنها وهم وتخييل نبتا في العقول المرهقة، وأن هؤلاء الذين إلى أن يمضوا بضعة أيام أو أسابيع على الشواطئ.
وكان معنى هذه الإجابة أن الذين يرون الأطباق الطائرة مجانين ويحتاجون إلى علاج حتى يشفوا. ولكن رويدًا رويدًاشرعت أشك في شكي؛ ذلك أن وزارات الحرب في روسيا والولاياتالمتحدة وفرنسا وبريطانيا خصَّت هذه الأطباق بعناية كبيرة، فعيَّنت الموظفين العلميينلرصدها ودراستها، ثم في نهاية سنة 1952 ظهر كتاب في أمريكا لأحد الذين شاهدواواحدًا من هذه الأطباق قال فيه إنه اقترب من طبق طائر كان قد حط على الأرض، ولكنه أشار إليه أن يبتعد، فلما أطاعه طار الطبق! « إنسان » لم يلامسها، وأنه قد نزل منه هل يمكن أن أنكر؟ هل يمكن أن أكون أنا العاقل الوحيد وكل هؤلاء مجانين؟! واشتريت الكتاب وقرأته، وصرت أحلم به حتى في يقظتي؛ فإني أذكر أني ذاتصباح، وأنا على الترام الذي كان قد وصل إلى ميدان التحرير، نظرت إلى المبنى المجمعفرأيت سحابة بيضاء تمر فوقه، وإذا بجزء منها ينفصل ويطير في الجو على بعد سحيق يتجاوز سرعة السحب. وانخلع قلبي، وأردت أن أصرخ: طبق طائر، طبق طائر. ولكني التزمت الصمت،ولا أعرف لماذا! وظني أن الوقار غلبني، وظني الآخر أن السرعة التي ظهر بها ثم اختفى في الفضاء قد جعلت حديثي عنه لغوًا لن يصدِّقه أحد؛ ولذلك التزمت الصمت. ولكني عندما عدت إلى البيت جعلت أفكر: إن النظرية الفلكية الحديثة تقول إن هذاالكون، بنجومه وكواكبه، قد انفجر في لحظة واحدة قبل خمسة آلاف مليون سنة، وإذنيجب أن نستنتج أن عمر الأرض لا يختلف عن عمر الكواكب الأخرى بآلافها وملايينها،ونحن على هذه الأرض قد وصلنا إلى التفكير في غزو القمر، وإلى تأليف الكتب عنالسياحة الفضائية، وليس بعيدًا، بل إن من المرجَّح أن التطور الذي عرفناه على أرضنا،وانتهى بظهور الإنسان، قد عرفته كواكب أخرى بدرجات تتفاوت قليلًا نحو التقدم أوالتأخر، وإذن يجب أن نستنتج أن هناك ناسًا أو بشرًا في الكواكب يفكِّرون مثلما نفكر، ولعل بعضهم قد سبقنا إلى تهيئة الوسائل لنقلهم إلى الأرض. وقلت: بدلًا من أطباق طائرة تخرج من الأرض لاستعمار المريخ أطباق طائرة تخرج منه لاستعمار الأرض؟ وإذن، لا بد من الاستنتاج أيضًا بأن المريخيين، أو غيرهم من سكان الكواكبالأخرى، قد أرسلوا الأطباق الطائرة للاستكشاف والاستطلاع، وأنهم يكتبون التقارير عنكواكبنا، وليس بعيدًا أن نجد ذات صباح نحو مليون مريخي قد هبطوا الأرض وطلبوا منا الطاعة أو الإعدام. 100
قصة السبعة الكبار كان تفكيري يجري على مستوى التفكير وحده؛ أي بلا عاطفة، كأني أقوم بتقديراتحسابية، وصرت بعد ذلك أتتبَّع الأخبار عن هذه الأطباق الطائرة، ولكن يجب أن أعترفأني لم أكن أتحدَّث إلى أحد عنها خشية أن يتهمني بالجنون، كما سبق لي أن اتهمت الذين تجرَّأوا على القول بأنهم شاهدوها. وكثرت الشائعات، وتناقضت الأقاويل، وشرع قلبي يهمس بها إلى عقلي في خوفٍ وترقُّب، ولكن مع الصمت الذي التزمته خشية اللوم أو السخرية. وحدث ذات صباح أن نشرت الجرائد أخبارًا بعناوين لوائية، تخفق على عرضالصفحات الأولى، تتلخصفي أن روسيا أنزلت نحو ألف طائرة في وسط الصحراء الغربيةفي أفريقيا، وأنها تستعين بوسائل الشق الذري والالتحام الذري لإدارتها وإيجاد الماء بها، بل قيل إنها تصنع جميع الأغذية البشرية بالتأليف الذري في الصحراء. وأعلنت روسيا تكذيبًا عاجلًا لهذه الشائعات، ولكن هذا التكذيب بدلًا من أن يطمئنالجماهير زادهم حيرة، وطارت مئات من الطائرات الأمريكية والفرنسية والبريطانية للبحث في وسط الصحراء عن هذه الطائرات فلم تجد لها أثرًا. وعم الناس بلبلة؛ فمنهم من قال إن الشائعات كانت كاذبة، ومنهم من قال بل إن المريخيين قد أنزلوا بعضًا منهم لاستعمار الأرض. ولكن إذا كان المريخيون قد أنزلوا بعضًا منهم إلى الأرضفأين ذهبوا؟ كان هذا السؤال يتردد على ألسنتنا، ولكن كان الجواب عليه يشيع الرعب في قلوبنا،وكان هذا الجواب: أن المريخيين قد تعلَّموا لغتنا، وأنهم يتخلَّلون مجتمعاتنا ويدرسونها،وأن الأطباق الطائرة التي كان قد مضىعلى الشائعات الخاصة بها نحو خمس أو ستسنوات لم تكن في حقيقتها سوى طائرات تحمل إلينا المريخيين الذين كانوا ينزلون ويختلطون بنا ويتعلمون لغتنا، ويعيشون بيننا دون أن نفطن لحقيقتهم. وأصبح هذا الرأي الأخير عقيدة، بل عقيدة مخيفة؛ فكنا عندما نجد شخصًا لهوجه مستطيل بعضالشيء نقول في صمت وخوف: لعل هذا الرجل مريخي؛ إنه لا يشبه البشر كل الشبه. ولكن المنطق الحسي أقوى وأرسخ من المنطق العقلي؛ ولذلك سرعان ما كنا ننسىهذا الموضوع عندما نئوب إلى بيوتنا ونجد طعامنا المألوف، وأولادنا، وسريرنا، وكل شيء كما تركناه في الصباح. 101
وكثيرًا ما كنت أقعد بالترام فأسمع بعض القاعدين أو الواقفين يتحدثون عنالأطباق الطائرة، وعن هبوط الطائرات في الصحراء الغربية، فكان أكثر المستمعين يهزُّون أكتافهم وهم يقولون: كلام فارغ! ولكن كان يحدث أن يكون بين المستمعين واحد فيروي أنه قبل أيام كان يسير فيالغروب — وكنا وقتئذ في رمضان — وكان الشارع خاليًا أو كالخالي في قسم العباسية،فإذا به يتقدم منه شخص طويل بوجه مستطيل، بل مستطيل جدٍّا، وله شعر ذهبي،وحاول أن يكلمه، فغمغم ولم يُبِن، وتذكر الراوي أن هذا المتكلم مريخي قد استخفى كييتجسس، فغمرته موجة من الرعب كاد يغمى عليه منها، ولكنه تماسك، وعدا بأقصى سرعة في الشارع الخالي حتى دخل بيته وهو منهوك مرعوب. وقال أحد السامعين: أعوذ بالله! وقال آخر في سخرية: كنت شارب كونياك أو زبيب؟ وأقسم الرجل أنه لم يشرب شيئًا. وعمنا من هذه القصة جمود يشبه الذهول. وسارت بنا الأيام ونحن في قلق من هذه الأخبار، ولكنه كان قلقًا معتدلًا، لم نأرق منه،وأذكر أن أحد الأمريكيين كتب مقالًا أذاعته المحطات الرديوئية، خلاصته أنه على فرضأن المريخيين قد نزلوا واستقر بعضأفرادهم بيننا، يتجسسون، فإن هجومًا مريخيًا علىالأرض لن يؤدي إلى انتصارهم؛ وذلك لأننا نعرف من أسرار الذرة مثلما يعرفون، وأننانفكر في غزو المريخ قريبًا، وسيشغلهم هذا الغزو الأرضيعن غزونا؛ لأننا سنضعهم في مكان الدفاع. واعتقادي أن هذا الكاتب كان يبغي نشر الطمأنينة، ولكن الواقع أنه زاد القلق؛لأنه كان هناك عدد كبير من البشر يعتقدون أن الحديث عن المريخيين إنما هو حديثالخرافات والأساطير التي لا تُصدَّق، أما بعد هذا المقال فقد صار هؤلاء من المصدِّقين المترقِّبين لأسوأ الأحداث. وفشت الأمراض النفسية بين الناس، وصارت الهستريا تصيب الرجال والسيدات،والمتقدمين في السن، كما لو كانت أنفلوانزا، وكثيرًا ما رأيت أحد القاعدين في مقاهيالأوبرا وشارع فؤاد يهبُّ صارخًا وعينه مثبَّتة في السماء، وكنا نسارع إلى نضحه بالماء حتى يفيق، فإذا أفاق لم يذكر ماذا فعل. 102
ثم نزع ملابسه كلها، وخرج يعدو « جروبي » ورأيت أحد الشباب قد وقف في وهو عريان يصرخ: التوبة، التوبة، أشهد أني تائب، اصفحوا عنا أيها المريخيون، وكان المسكين قد اختبل عقله من الوسوسة التي لازمته. والواقع أننا كلنا قد اختبلنا، ولكن بدرجات تتفاوت؛ لأن أخبار الأطباق الطائرةتكاثرت؛ ولأن الحكومات نفسها، وهي تحاول نشر الطمأنينة، كانت تنشر القلق؛ لأناستعداداها الذي كانت تفخر به كان برهانًا على أننا على وشك حرب كوكبية قد تكون فيها نهاية العالم. وذات صباح خرجت الجرائد بنبأ مرعب، ولم يكن هذا النبأ سوى إعلان قد كُتب بحروف كبيرة في الصفحات الأولى من كل جريدة، وأنا أنقل نصه لقيمته التاريخية: نعلن نحن المريخيين السبعة أننا قد هبطنا الأرض بعد دراسة دامت أكثر من » عشر سنوات، وأننا قد عرفنا كل كبيرة وصغيرة فيها، وأننا ننوي استغلال هذا الكوكبلخير الأرضيين والمريخيين معًا، وهذا بعد أن أيقنَّا أن الأرضيين قد عجزوا عن استغلالكوكبهم إلا بمقدار واحد في الألف لجهلهم للعلوم، بل إن هذا الاستغلال لم يتجاوزجزءًا يسيرًا من قشرة الأرض، وليثق الأرضيون أننا سنعمم، بما نعرف من علوم، الخيروالرخاء والصحة بينهم، وأنهم سيحمدون لنا تولينا الحكم الذي ستظهر نتائجه بعد شهور. وكل محاولة لقتل أحد المريخيين أو إيذائه ستؤدي إلى نسف القطر الذي ينتميإليه، وإحالته إلى صحراء بالقوات الذرية التي نملكها، فليحذرِ الأرضيون، فإننا لا نريد .« أن نمحوهم، ولكننا نبغي الاشتراك معهم في استغلال كوكبهم قرأنا هذا الإعلان ونحن في رهبة، وإني لأذكر إحساسي في ذلك الصباح، ولا أخجلمن أن أقول إنه كان إحساس الراحة بعد القلق، أو الطمأنينة بعد الخوف، حتى ولو كانت طمأنينة الموت. لا … لم تعد هناك شائعات أو شكوك؛ فقد رسينا على يقين. وظهرت الجرائد في طبعات خاصة بعد الظهر، وقرأنا فيها أن المريخيين السبعةيقيمون في طبق طائر على مسافة خمسة كيلو مترات من باريس، وأن الحكومة الفرنسيةقد أوفدت إليهم وفدًا مؤلَّفًا من أعضاء الوزارة وكبار القضاة الذين قدَّموا لهم فروض الولاء. 103
وفيصباح اليوم التالي أعلنت جميع الوزارات في حكومات الأرضاستقالاتها وقدَّمتها بالتلغراف للسبعة المريخيين. أوضح في خطاب استقالته حاجة « ونستون تشرشل » وكان مما يلفت النظر أن السير « مالنكوف » بريطانيا إلى المستعمرات، وناشد المريخيين ألَّا يحرموها مستعمراتها، وكان حريصًا على أن يقول للسبعة إن النظام الاشتراكي هو بالطبع نظام المريخيين؛ لأنهبجيش ألماني يكون في خدمة المريخيين وينفذ إرادتهم، « أديناور » النظام العادل، وتبرع فقد رحَّب بالمريخيين وقال إن الأمريكيين مستعدون لأن يشتركوا معهم « أيزنهاور » أما في الأبحاث الذرية للإنتاج الحربي والسلمي معًا. وشرع المريخييون يصدرون القوانين؛ فجعلوا للبشر جميعهم قوانين موحَّدة للزواجوالطلاق، وجعلوا التعلُّم عامٍّا، ثم طلبوا تأليف اللجان لإصلاح الأرض وإخصاب مياه المحيطات. وألُِّفت أكثر من ثلاث مئة لجنة تولَّت إلغاء الجيوش والقوات الحربية جميعها،وتحويل ما كان يُنفق عليها من ملايين الجنيهات على استزراع الصحاري وإنشاء المصانعواستخدام الذرة في الإنتاج المدني وبناء المنازل وزيادة المحاصيل الزراعية، وكانت هذه اللجان هي الحكومات الحقيقية في أقطار العالم. ولم يحس الناس باختلاف كبير بين حكوماتهم القديمة وبين الحكومات الجديدة، إلا منحيث تعميم الرفاهية وزيادة مستوى المعايش؛ فإن المريخيين عندما أمروا بإلغاء القواتالحربية أفرجوا عن مقادير عظيمة من الثروة استُخدمت في زيادة الرخاء، حتى لقد قُدِّردخل الفرد؛ أي فرد في أي مكان في هذا العالم، بنحو ألف جنيه في السنة، وأخذت المنفعةفي اقتصاديات البشر مكان الأبهة، وأصبحت المرأة تلبس ملابس الرجال وتؤدي أعمال الرجال سواء. وابتدع المريخيون شيئين لم يكن لنا بهما عهد: أولًا: تعميم اللغة الإنجليزية لجميع البشر وإهمال سائر اللغات. وثانيًا: إيجاد نوع من الزواج يقوم على الامتحان والكفاءة الذهنية؛ بحيث لم يكن يجازللمتزوجين أن يعقِّبوا إلا إذا كان متوسط ذكائهم يزيد على درجة 100 ، وهي درجة المتوسطين، أما غيرهم فكان لهم الحق في الزواج ولكن مع حرمانهم حق التناسل.
وأصبحت الدنيا كلها قطرًا واحدًا وشعبًا واحدًا، ولم تعد هناك أية أمة تتعصبللونها الأبيض ضد الزنوج، كما لم تعد هناك فواصل بين قطر وقطر، وخضع جميعالبشر لأوامر السبعة الكبار، عن خوف منهم في البداية، ولكن عن حب لهم بعد ذلك،حين أيقنوا أن الحروب قد انتهت، وأنه لم يعد هناك استعمار أو استغلال أمة كبيرة لأمة صغيرة. ولم تُلغَ الحكومات السابقة إلغاءً تامًا، ولكنها استحالت إلى مجالس إقليمية أوبلدية مفخَّمة، تكاد تقتصر مهمتها على بناء المنازل واستزراع الأرض البور وتعميم التعليم وإنشاء المسارح والمتاحف … إلخ. أما أعمال الحكومة العالمية في أيدي السبعة الكبار، فكانت تتسم بسمة عالمية، مثلزيادة الأسماك في المحيطات والأنهار، وتيسير الحصول على المواد الخام لجميع الشعوب بلا تمييز، وإيجاد مجارٍ جديدة للأنهار، ونحو ذلك. وأصبح السبعة الكبار أسطورة تلتف حولها الشائعات، ولم يكن واحد منهم يختلطبالناس، وكانت إقامتهم دائمة في بقعة تقرب من باريس يحرسها جنود من البشر،وكان القصرالذي يقيمون فيه رحبًا متعدد الغرف، للموظفين البشريين الذين يتسلَّمون .« الحرم المريخي » أوامرهم ويبلغونها للمختصين للتنفيذ، وكنا نسمي هذا القصر وحدث أن أقيم معرض للجمال دُعيت إليه أجمل فتيات العالم، وكان من أغرب ماعرف، مع محاولة الكتمان للخبر، أن السبعة الكبار اختاروا سبعًا من هؤلاء الفتيات،وقيل أنهن حملن منهن وظهرت سلالة خلاسية مهجَّنة من المريخيين والأرضيين، ولكن لم يرَ أحد هؤلاء الأطفال. وكانت الشائعات تترى؛ فقد قيل إن بعض المريخيين كان يسافر إلى المريخ ويعودبتعليمات جديدة لسياسة الأرض، ولكن الذي كنا نخشاه جميعًا، وهو استيلاء المريخيين على أرضنا، لم يحدث، بل لم نرَ مهاجرين بتاتًا من المريخ. وتقدم بعضمنا إلى السبعة الكبار يطلبون السفر إلى المريخ، ولكن هذا العرضلميُقبل، وفهمنا أن المريخيين يريدون إصلاح أرضنا وإلغاء الفروق المذهبية التي فرَّقتنا،وتعميم المساواة الاقتصادية، وإلغاء الجيوش، حتى لا تكون حرب في المستقبل، ويجبأن أعترف بأنهم نجحوا في كل ذلك؛ فلم يعد على وجه الأرضبارجة أو مدفع أو طائرةحربية أو قنبلة أو صاروخ ذري أو غير ذري، وعُمِّمت قواعد صحية في تحديد التناسل أطاعها الجميع؛ لأنهم وجدوا منفعتها لهم. 105
وعم استخدام الذرة، فصرنا نضيء بها المدن، وندير بها المصانع، ونشق بها الجبال،ونزرع بها الصحاري، وننزل بها الأمطار، وقد استطاعت الهند أن تغير مناخها بأنالتي كانت تنتصب حاجزًا بينها وبين الرياح القطبية، وانخفضت « هملايا » شقت جبال بذلك حرارة الهند، وفُتحت جملة فتحات على الشاطئ بين مصروطرابلس، فدخلت مياهالبحر المتوسط إلى المنخفضات في الصحاري وغيرت المناخ، حتى صار معتدلًا بعد أنكان محرِقًا، وأنشئت السدود على النيل حتى لم تكن قطرة واحدة من مياهه تضيع سدى في البحر المتوسط. وعاش الناس فيما كانوا يسمونه سعادة. ثم حدثت الكارثة؛ فقد انفجرت الأسطورة: فإن الفتيات الجميلات اللائي اختارهنالسبعة الكبار، وتزوجوهن، لم يطقن البقاء منعزلات في الحرم المريخي، وكنا نسمعشائعات عن أن الخلاف قد تفاقم بين واحد من السبعة الكبار وبين زوجته، ولكننا لم نكن على يقين. وذات صباح خرجت علينا الجرائد بنبأ لا يقل خطورته عن ذلك النبأ الذي كانتقد أخُرجت به علينا قبل تسع سنوات بشأن نزول المريخيين على الأرضواستيلائهم علىقد فرَّت من الحرم المريخي، « ماريان » مقاليد الحكم، أما النبأ الجديد فهو أن السيدة وأذاعت أن هؤلاء المريخيين كاذبون في دعواهم بأنهم من المريخ؛ إذ هم بشر مثلنا،وأنهم ادعوا دعوى المريخية عقب تفشي الشائعات بشأن الأطباق الطائرة، فاستغلوا هذهالشائعات، وزعموا أنهم مريخيون، وألَّفوا مجلسًا لحكم العالم، ونجحوا في هذا الزعم، وصدَّقهم الناس، وخضعوا لهم. ثم ذكرت الأسباب التي دعتها إلى الفرار، وهي سبب واحد، هو أن زوجها المريخيالكاذب قد هجرها والتفت التفاتًا غير معتدل إلى زوجة آخر من السبعة الكبار، وحاولت أن ترد إليه صوابه فلم تفلح، وأخيرًا لم تتحمل الغيرة ففرَّت. « ماريان » وعقب فرارها فرَّ السبعة الكبار أيضًا، ولم يُعثر لهم على أثر؛ لأنهم خشوا هجوم الباريسيين عليهم. ولكن مع زوال السبعة الكبار لم تزل تلك الإصلاحات التي حققوها للعالم فيالسنوات التسع، فلم تحدث ثورة أو ردة، ولم يدعُ أحد إلى العودة إلى ما كنا عليه، وأصبح .« السبعة الكبار » العالم أمة واحدة بفضل هذه الأكذوبة الكبرى التي كذبها علينا 106
الفصل الثالث والعشرون
هجرتنا إلى القمر …
وكان المفروض أن ننقل إلى القمر رجالًا ونساءً وصبيانًا مع أكبر عدد ممكن من الحيوانات والنباتات النافعة. نحن في سنة 1983 ، لقد نسيت ما كنا عليه في سنة 1950 ، لقد ماتت هيئة الأمم بالهزال؛لأن معظم الأعضاء تركوها، فلم يكن باقيًا فيها غير ثلاث دول هي الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. وكانت الحروب تقع من وقتٍ لآخر بين الهند والصين، أو إيران وبريطانيا، أو إيطاليا ويوغوسلافيا، فلا تُحدِث أي تأثير بين قراء الصحف لأنهم ألفوها. ولكن على الرغم من كوارث الحروب ومذابح الاضطهادات، كان هناك إحساس عامبأن كوكب الأرض لم يعد يكفي سكانه، وأن هذا الضيق هو الباعث الحقيقي للحروب التي تنشأ من وقتٍ لآخر بين الأمم. وشرعت مشروعات زراعية جديدة في أنحاء مختلفة من العالم؛ مثل الصحاري،ولكنها كانت بطيئة لم تكفِ الزيادة في السكان، كما طُلب إلى الأمم المتخلفة أن تحدد مقدار مواليدها، ولكن هذا الطلب لم يلقَ مجيبًا. وكان العالم مشحونًا بآلات الحرب؛ أسلحة وأعتدة، وكانت عقلية الحرب تسود أممًا كبرى، فكان الجميع في خوف. وأخيرًا استقر رأي الأمم الباقية في هيئة الأمم على مشروع غزو القمر، وكانت الفكرةالأولى استعماره، ونَقْل ما يزيد من سكان الأرضإليه، وكانت الفكرة الثانية الاحتياطية،أنه إذا فشل الاستعمار فعلى الأقل ستجد الأمم الكبرى أنها استنفدت ذخيرتها الحربيةفي إرسال القذائف إلى القمر، فلا تبقى هذه الذخيرة مادة التهابية مخزونة تبعث على الحرب، وقد تقضيعلى الحضارة، وقد ينقرضالإنسان.
وشرعت الدول الثلاث؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا، في تهيئةالقذائف إلى القمر، وكان المفروض أن تحمل هذه القذائف ناسًا وحيوانًا ومواد أخرى؛ كالطعام والماء والأكسيجين وبعض الآلات. وشرع العلماء يكتبون عن القمر، وكان الرأي الذي انتهوا إليه هو أن القمر جزءمن الأرض، وأنه نُزع من فجوة في المحيط الهادي، وموارده هي موارد الأرض، وكانالمفروضأنه ليس به هواء يمكن للإنسان أن يتنفسه، ولكن العلماء الذين بحثوا عناصرالقمر قالوا إن الأحجار التي فيه تحوي عنصر الأكسيجين، فإذا نقلنا معنا آلات تفرزالعناصر والغازات، استطعنا أن نستخرج من القمر جميع العناصر التي بالأرض منغاز إلى سائل إلى جامد، بل استطعنا أيضًا أن نصنع الماء؛ إذ هو مركَّب من الأكسيجين والأيدروجين، وكلاهما يوجد في القمر مختلطًا بمواد أخرى. وكان المفروض أيضًا أن ننقل إلى القمر رجالًا ونساءً وصبيانًا مع أكبر عدد ممكنمن الحيوانات والنباتات النافعة، وعلى هذا الأساس اختير عدد كبير من المتطوعين من أمم مختلفة. وكنت أنا أحد هؤلاء، وكان على القذيفة أن تخرج بسرعة كبيرة جدٍّا من منطقةالجاذبية الأرضية، ثم بعد ذلك تسير وحدها بقوة الاندفاع الأول نحو القمر، وكانحسابنا أن سياحتنا لن تزيد على تسعة أيام، وكل ما كنا نخشاه هو أن القذيفة التي ستحتوينا قد تنفجر عند انطلاقها وتذرونا هباءً قبل أن نخرج من الأرض. ولكن لم يحدث هذا؛ ففي صباح 7 نوفمبر من عام 1984 ، خرجت من الأرضعشرون قذيفة من أنحاء مختلفة، وصلت جميعها سالمة إلى أنحاء مختلفة من القمر،وشرعت كل جماعة تعمل على دراسة البقعة التي نزلت فيها، وتتصل بسائر الجماعات للاستنارة والاستعانة، وكانت المكالمات الرديوئية لا تنقطع بينها والتفاهم تامٌّ. والآن أصف للقارئ كيف انقذفنا من الأرض نحو القمر؛ فقد صنعت لنا أنبوبة منمركبات معدنية خفيفة، ولكنها متينة، وكان قطرها نحو سبعة أمتار، أما طولها فكانلا يقل عن ثلاثين مترًا، وكانت غرفًا منفصلة؛ كان بعضها لرصد الكواكب والنجوم،وبعضها للحيوانات وبذور النباتات، وبعضها للأطعمة والعقاقير، وبعضها للراحلين إلىالقمر، وكان جزء كبير من هذه الأنبوبة مخزنًا للآلات والأدوات التي يمكن الانتفاع بها في العودة إلى الأرض. 108
هجرتنا إلى القمر وقد صُنع للأنبوبة مخزن أرضيحُشي بالمواد الانفجارية، وأطُلقت بمقاييس دقيقة،وأحسسنا بهزة عنيفة عند انفصالنا من الأرض واندفاعنا في الفضاء، وبعد ثلاث ثوانٍأطُلق صاروخ من خلف الأنبوبة، ثم صار يُطلق صاروخ كل ثانيتين، وبقينا على ذلكنحو أربع ساعات كنا قد قطعنا فيها مسافة بعيدة من الأرض، ودخلنا، أو أوشكنا علىأن ندخل منطقة الفضاء التي تضعف فيها جاذبية الأرض، وبعد أقل من يومينصرنانحس أننا نسير في الفضاء بلا جاذبية؛ فلم تكن الأرض، وكذلك لم يكن القمر، يجاذباننا،ولكن اتجاهنا كان يسير نحو القمر بقوة الاندفاع الأول … وكنا ننظر إلى الأرض، فكانتتبدو لنا كما لو كانت قمرًا يزيد مساحةً وضوءًا نحو عشرة أضعاف القمر الذي كنا نسير نحوه. وهنا حدثت مأساة ما زلت أذكرها؛ فقد كنا قد حملنا معنا الكثير من الحيوانات،وكانت عندنا شاة وكلبة تأثرتا بالصدمة الأولى عند اندفاعنا من الأرض، وكانت كلتاهما تقيء ولا تأكل، ثم ماتتا. وخشينا أن تتعفنا، ووُكِل إليَّ إخراجهما من الأنبوبة، وكانت لها أبواب كثيرة، ورأيتأن أقذف بهما في اتجاه ينحرف عن سيرنا؛ حتى لا تسيرا معنا في اتجاهنا نحو القمر،وكانت الغرف تحتوي حواجز عديدة كان علينا أن نقفلها واحدًا بعد آخر حتى لا يتسربالهواء إلى الفضاء، وما زلت أجرُّهما حتى انتهيت إلى آخر غرفة وقذفت بهما بأقصى ما يستطيعه ذراعي من الدفع. ورأيت عندئذ منظرًا لن أنساه؛ فإن الشاة والكلبة اندفعتا في الفضاء، وكانت الشاةتسير وخلفها الكلبة وكأنهما تسبحان، وكان الفضاء خواء، فأقفلت الباب الزجاجيوبقيت أرقبهما وأنا في فتنة بهذا المنظر، وجعلت أتأملهما وأفكر أن هاتين المسكينتينستجوبان الفضاء وهما على هذه الحال مليون سنة، ألف مليون سنة، وليس هناك مايعوقهما، ولن تتعفنا، ولن يحيق بهما بِلًى أو فناء؛ إذ لا يمكن أن يحيا الميكروب فيهما؛ لأنه يحتاج إلى الهواء، كما لا يمكن التفاعل العضوي الداخلي أن يفكِّك أجزاءهما. وقد مضى على هذا الحادث أكثر من سنتين، وما زلت أحس عندما أذكر أن الشاةوالكلبة تسبحان في الفضاء الأبدي، كما لو كانت سكين تقطع رأسي، أو أحيانًا أستيقظ من النوم فزعًا من الرؤيا، وأحيانًا أجدني أقول لنفسي: 109
وماذا علينا إن كنا أبقيناهما ثم دفنَّاهما في أرض القمر كما هو حق الموتى؟ إنهمافي الفضاء الآن وسيكونان في الفضاء بعد ألف مليون سنة، إلى الأبد، إلى الأبد، يدوران مع الكواكب ويسيران مع المجرات. وقبل أن نصل إلى القمر بنحو ساعتين جهَّزنا الآلات التي نحتاج إليها للخروج من الأنبوبةوللهبوط بها سالمين على أرضالقمر، وكان كلٌّ منا في شِكَّة تشبه شِكَّة الغطاسين، وكان داخل الشِّكَّة مخزن صغير للأكسيجين وبعض الغازات الأخرى. وأمضينا الساعات الأخيرة قبل وصولنا إلى القمر ونحن نتأمله، وكان صحاري قاحلة، وهوَّات تشبه فوَّهات البراكين، وحولها جبال عمودية كأنها أسوار مبنية. وصادف هبوطنا النهار، فلم نخرج؛ لأن الشمس كانت تضرب أرض القمر وترفعالحرارة فيه إلى درجة غليان الماء على الأرض، وانتظرنا إلى قرابة الغروب، فخرجنا وجولنافيه قليلًا، ثم عدنا عندما أمسينا؛ لأن درجة الحرارة نزلت إلى الصفر، بل تحت الصفر بكثير. وكنا — بالطبع — نعرف كل هذا، وكنا ننتظره قبل الوصول إلى القمر؛ ولذلكأعددنا مساكن من الزجاج الطري، وكانت الجدران طبقات لا تنفذ منها حرارة الشمس في النهار، كما لا تتسرب حرارة المسكن إلى الخارج في الليل. وكنا قرابة أربع مئة من الرجال والنساء، وشرعنا منذ وصولنا في رصد الأجواء القمرية، وفي البحث عن الماء، وغازات الأكسيجين والأيدروجين، والنباتات والحيوانات. وقد خابت آمالنا، أو بالأحرى لم نجد ما كنا نحلم به، ولكن لم يكن فينا واحد منالأربعمائة غير متخصص في عمل كيميائي أو بيولوجي أو معدني أو صناعي؛ ولذلكشرعنا نستخلص الغازات الحيوية من صخور القمر، ونبني بيوتًا للنبات والحيوانونصنع الماء، واستطعنا أن نجد — قبل أن يمر علينا عام — فجوات وتخاريب في الأسواروالجبال لا تحرقها الشمس، بل وجدنا فيها عددًا غير صغير من النباتات والحيوانات البدائية، فصرنا نأكل منها ونستنتجها بأساليبنا الأرضية العلمية. وشيَّدنا بيوتًا كبيرة للسكنى، تعددت جدرانها وسقوفها، ووضعنا فيها هواء يتفق وحاجاتنا في التنفس، فلم تكن حرارة النهار أو برودة الليل تؤثر فيها. وبالطبع هناك من كانوا يعتقدون أن بلوغ الحرارة في النهار إلى درجة 100 فوقالصفر، وفي الليل إلى نحو 100 تحت الصفر، كانوا يعتقدون أن هذه الحال لا تطاق، 110
هجرتنا إلى القمر ولا يمكن للإنسان الأرضي أن يتغلب عليها، ولكن الواقع أن هذا الاختلاف كان مصدر القوة لنا ونحن في القمر. ألا تعرف أن مصانعنا وسياراتنا وقطاراتنا وطائراتنا على الأرض إنما تعمل كلها باختلاف الحرارة داخل القاطرة أو الموطر أو الآلة البخارية وخارجها؟ كنا على القمر نجمع حرارة الشمس ونسلِّطها على السوائل أو الغازات التي نجمعهافتتمدد داخل خزانات قوية الجدارن، وكانت تبقى مضغوطة، فإذا كان الليل وهبطالترمومتر من 100 فوق الصفر إلى 100 تحت الصفر أطلقنا الغازات فأدرنا بها آلاتناوولَّدنا بها القوة الكهربائية للإضاءة والإدارة وإيجاد الحرارة الملائمة لحياتنا وحياة النبات والحيوان. كانت الشمس فحمنا وبترولنا في النهار، وكنا نجد فيها كنزًا لا يفنى في إيجاد القوةوالتدفئة في الليل، وأصبح عندنا العديد من المصانع، ولكن أكثرها كان يتخصص في صنع الآلات وبناء البيوت. وكنا بالطبع نحيا حياة اشتراكية؛ فلم يكن لدينا ونحن أربع مئة شخص أكثر منعشرة بيوت، وقد نجحنا في زراعة جميع الحبوب الغذائية التي كنا نزرعها على الأرض،وذلك بإيجاد المباني من طبقات الزجاج التي تحمي النباتات من حرارة الشمس، وتمنع تسرب الهواء منها في الوقت نفسه، فينمو النبات والحيوان فيها نموٍّا سريعًا عظيمًا. وحدثت حوادث دلَّت على أنه لا يزال بيننا صغار من الرجال لم ينضجوا، ولميعرفوا دلالة غزو الإنسان للقمر، فمن ذلك أن أحد الإنجليز عندما هبط القمر أخرج راية إنجليزية وغرزها وقال: – هذا ملك بريطانيا. وفعل مثله فرنسي، وفعل مثله ألماني. وكان العقلاء يضحكون من هذه السخافات، ولكن الواقع أن هذه الرايات قسمتناطوائف كما كنا على الأرض، وحدثت حرب صغيرة انتهت بأن القمر للقمريين وحدهم،وأن اللغة العامة هي الإنجليزية، وشرعنا ندرس كيف نؤسس مجتمعًا جديدًا بقوانينجديدة عن الزواج والطلاق وتربية الأبناء ونظام الحكم، وكانت المناقشات تحتدُّ بيننا،وكان أسوأ ما فيها أن بعضنا كان يريد أن ينقل الحزازات الاجتماعية والعنصرية والدينية إلى القمر، حتى لقد حدث ما يشبه الحرب الدينية. ولكن العقلاء تغلَّبوا في النهاية، ومنعوا دراسة التاريخ الأرضي لمدة عشر سنوات؛ حتى ينسى القمريون أصول شحنائهم على الأرض. 111
وكان أحسن الأوقات في القمر تلك الليالي التي كان يسطع فيها نور الأرض علينابقوة كبيرة جدٍّا بحيث كان يستحيل الليل نهارًا، ولكن بلا شمس، فكان يخرج كل منا في شِكَّته التي تشبه بذلة الغواصعلى الأرضونتنزه ونلعب. ومع أن هذه الشِكَّة التي كان يلبسها كل منا لم يكن يقل وزنها على الأرض عنمئة رطل، فإننا لم نكن نحس بثقلها؛ لأن الثقل هو في النهاية جاذبية، وجاذبية القمرصغيرة جدٍّا، بل إننا لو كان في استطاعتنا أن نسير على القمر دون أن تُثقلنا هذه الشِكَّة لكانت خطواتنا وَثَبات نرتفع بها عشرة أمتار في الهواء وننزل ثانيًا. وكان اتصالنا الرديوئي بالأرض على أحسن ما يكون، وكنا نستمع إلى الإذاعاتوالأغاني، ونحس أن مشكلات الأرضلم تعد مشكلاتنا؛ ولذلك أقمنا محطة إذاعية خاصة لنا، وكان مستواها الثقافي عاليًا؛ لأننا كلنا كنا من المتخصصين في العلوم. وشرع بعضنا، بعد أقل من سنتين، يبحث موضوع الاستعداد لغزو الكواكب القريبةالتي كنا نرصدها من القمر بأفضل وأدق مما كنا نرصدها ونحن على الأرض؛ وذلك لأنطبقة الهواء التي تكسو الأرضليس لها ما يضارعها على القمر، والرؤية التلسكوبية — لهذا السبب — واضحة كل الوضوح. وقد عدنا إلى الأرض ونحن عشرون في سنة 1987 بحسب تاريخ الأرض، (وسنة 3بحسب تاريخ القمر)؛ كي نشرح للأرضيين أحوال القمريين وندعوهم إلى الهجرة إلى القمر. وقد مضىعليَّ وأنا بالأرض نحو ستة شهور، وشوقي إلى القمر لا يعدله شوق؛ إذهو خلوٌ من هذه الخلافات الأنانية الصغيرة التي تشغل الأرضيين، ولكن شيئًا واحدًا يؤلمني، هو هذه الشاة والكلبة خلفها، تسيران في الفضاء إلى الأبد، إلى الأبد. 112
سلامة موسى مفكر مصري، كان من أوائل الداعين للفكر الاشتراكي، وكان إيمانه بأن تحقيق النهضة في المجتمع المصري يستوجب التمثل بالغرب والمحاكاة الكاملة له.
ولد سلامة موسى عام 1887م بقرية بهنباي على بعد سبعة كيلو مترات من الزقازيق لأبوين قبطيين، التحق بالمدرسة الابتدائية في الزقازيق، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة ليلحق بالمدرسة التوفيقية ثم المدرسة الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام 1903م.
سافر عام 1906م إلى فرنسا ومكث فيها ثلاث سنوات قضاها في التعرف على الفلاسفة والمفكرين الغربيين، انتقل بعدها إلى إنجلترا مدة أربعة سنوات بغية إكمال دراسته في القانون، إلا أنه أهمل الدراسة وانصرف عنها إلى القراءة، فقرأ للكثير من عمالقة مفكري وأدباء الغرب أمثال: ماركس، وفولتير، وبرنارد شو، وتشارلز داروين، وقد تأثر موسى تأثرًا كبيرًا بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء لتشارلز داروين، كما اطلع موسى خلال سفره على آخر ما توصلت إليه علوم المصريات.
بعد عودته إلى مصر، أصدر كتابه الأول تحت عنوان «مقدمة السوبرمان»، الذي دعا فيه إلى ضرورة الانتماء الكامل للغرب، وقطع أية صلة لمصر بعالم الشرق، كما أصدر كتابًا آخر بعنوان «نشوء فكرة الله» يلخص فيه أفكار الكاتب الإنجليزي جرانت ألين، التي تتضمن في نقد الفكر الديني والإيمان الغيبي، الذي يرى فيه تخديرًا للشعوب وإغلالًا لأيديها! كما تَبَنَّى موسى كثيرًا من الأفكار العنصرية التي سادت الغرب آنذاك؛ حيث دعا إلى أن يتزوج المصريون من الغربيات لتحسين نسلهم! وردد بعض المقولات العنصرية عن الزنوج التي كانت تعتبرهم من أكلة لحوم البشر!
توفي سلامة موسى عام 1958م بعد أن ترك إرثًا مثيرًا للجدل، مدحه البعض كغالي شكري، حيث اعتبره نصير للطبقات الكادحة، ومحررًا للعقول من الأوهام، وانتقده البعض الآخر كالعقاد الذي قال: «إن سلامة موسى أثبت شيئًا هامًّا؛ هو أنه غير عربي» كما قال: «إن العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء؛ لهذا فهو المنبت الذي لا عِلْمًا قطع ولا أدبًا أبقى.» وقد هوجم سلامة موسى من «مجلة الرسالة» الأدبية، التي وصفته بأنه الكاتب الذي يجيد اللاتينية أكثر من العربية، كما اعتبره مصطفى صادق الرافعي بأنه معادٍ للإسلام، ولم يره إبراهيم عبد القادر المازني سوى دجالًا ومشعوذًا!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق