الأحد، 24 سبتمبر 2017

الفصول من 1 إلى 4



الفصل الأول

قصة غرام



ولكن ليس هذا كل الغرام؛ فإننا نغرم بالمجد، ونغرم بالفن، ونغرم بالفلسفة، ونغرم بالطبيعة و … جاءني سكرتير التحرير وقال: إن القراء يشكون لأن قصصك لا تحوي غرامًا، وبعضهم يقول: إن الغرام أساس القصة. قلت: ولكن جميع قصصي— تقريبًا — تحوي غرامًا.قال: أعني الغرام بالمرأة؛ أي الحب بين الرجل والمرأة. قلت: ولكن ليس هذا كل الغرام؛ فإننا نغرم بالمجد، ونغرم بالفن، ونغرم بالفلسفة، ونغرم بالطبيعة، و … قال: ولكن غرام المرأة؟ قلت: إذا كان الغرام بالمرأة سيشغلنا عن الغرام بالمجد فإننا يجب أن نؤثر المجد على المرأة. قال: ألم تقل في إحدى مقالاتك إن الحب يجب أن يكون الأساس للزواج؟ قلت: هو كذلك، وأيما أساس آخر للزواج؛ كالمال أو الوجاهة، هو أساس من رملوهو في حروبه « نابليون » ينهار عليه بناء الزواج، ولكن اسمع، هل يمكنك أن تتخيل وبرامجه لتغيير الدنيا وتأليف المستقبل، يقعد إلى مكتبه كي يكتب خطابًا غراميٍّا لحبيبتهيبيِّن لها مقدار ما سحره جمالها، ويصف لها عينيها وأنفها وشفتيها وصدرها؟ أو هل يفعل ذلك؟ « تولستوي » يمكنك أن تتخيل قال: أنت تتحدث الآن عن حب العظماء الذين أغُرموا وعشقوا فكرة أو هدفًا، فهلتعتقد أن القراء يحبُّون أن تصف لهم مثل هذا الغرام أو العشق؟ أظن أنهم لن يكترثوا به!

والممثلة « برنارد شو » قلت: ولم لا؟ ألا تعرف قصة الحب بين الأديب الفيلسوف لقد نُشركتاب قبل سنوات يحوي الخطابات التي تبودلت بينهما عن ؟« ألن تري » الرائعة حبهما مدة سنوات، وكان أعظم ما يلفت في هذا الحب أن الحبيبين لم يكونا يلتقيان؛ فقديقصد إلى دار التمثيل ويقعد على مقعد أمامي، ويراها كل ليلة وهي « برنارد شو » كان تمثِّل، فإذا عاد إلى منزله قعد إلى مكتبه وكتب إليها خطابًا يُسِرُّ إليها فيه باختلاجاته وارتعاشاته. وهنا ضحك سكرتير التحرير وقال: هذا حب في الهواء. فقلت: ولكن هذه الخطابات لم تكن كلها اختلاجات وارتعاشات؛ إذ كانت تحوي أيضًا الحكمة والفلسفة والفن. قال: ولكن، لماذا لم يكونا يلتقيان؟ قلت: استبقاءً للحب؛ حتى لا ينطفئ باللقاء، وحتى يغذوه الخيال فلا يفسد أو يفتر بالواقع. قال: ولكن، هل هذا يطاق؟! قلت: إن ها هنا موضوعًا للتحليل، واعتقادي أن الحب يفتر، وقد يموت بالإسراف فيالبعد كما يموت بالإسراف باللقاء؛ بالاثنين، وأظن أن حبهما مات وإن لم يُفهم هذا من رسائلهما. فتململ سكرتير التحرير وقال: نريد قصة تحتوي غرامًا، ودعك من هذه الفلسفة؛نباتيٍّا؟ وهل ننتظر من رجل لا يشتهي أكل اللحم أن يشتهي حب « برنارد شو » ألم يكنالمرأة؟! كان نباتيٍّا أيضًا، وتزوج عن حب، ولكنه « غاندي » قلت: إنك أذكرتني الآن؛ فإن عندما بلغ سن الرابعة والثلاثين انفصل عن زوجته، وصار ينام وحده في غرفة أخرى. قال: ولماذا؟ قلت: لأنه رأى أن يتزوج الهند، وأن يُغرم بالإنسانية، وأن يَأرق في الليل فيذكراستقلال الأمم ومكافحة الاستعمار، أليس في هذا الغرام ما يعلو على الغرام بين رجل وامرأة؟ قال: ولماذا لا يجمع بين الاثنين؟ قلت: لأنه لا يستطيع أن يعبد ربَّين ويصلي في معبدين. شاذ. « غاندي » قال: ولكن 

ذقلت: إنه فذ، وعصرنا بمشكلاته العديدة وما تجرُّ في أثرها من كفاح واستمتاع،يغرينا بالحب للإنسانية، ويطالبنا بالأفذاذ، ونحن نحس أن وجودنا يتزايد بهذا الحبأكثر مما يتزايد بالحب للمرأة؛ لا، بل إن اهتماماتنا الإنسانية وانكبابنا على الدرسوالكفاحيرتفع بنا إلى درجة من النضج تجعلنا نحدد ونقيِّد استمتاعاتنا بالحب للجنسالآخر، ألم ؟« هافلوك إليس » تسمع عن ؟« هافلوك إليس » قال: وماذا في قلت: إنه رجل أرصد نفسه للفلسفة والعلم، وقد أخرج في بداية هذا القرن نحوأربعين مؤلفًا في مختلف العلوم، ولم يكن يؤلِّفها، وإنما كان يرأس تحريرها ويوجهمؤلفيها، وكان يهدف من ذلك إلى أن يصوغ الذهن الأوربي كي يفكر التفكير العلمي،وقد نجح، ثم هو أيضًا أول رائد للبحوث الجنسية وتشريح الحب أو تأليفه، ومؤلفاته حجَّة لمن يدرسون هذه الموضوعات. فقال سكرتير التحرير: وأين كل هذا منضرورة احتواء القصة للحب؟! قلت: انتظر قليلًا؛ فإنه قبل نحو سبعين سنة عرف امرأة تشير إلى ضوء الفجرالجديد، وتدعو إلى مجتمع علمي، فأحبها وأحبته؛ أحب كل منهما عناصر الارتقاء في الآخر. قال: وهل سعدا بالحب؟ إلى ما « هافلوك إليس » قلت: سعدا بالحب والزواج بضع سنوات قليلة، ثم انتهى .« غاندي » انتهى إليه قال: وعاش في غرفة أخرى ينام فيها وحده؟ قلت: لا، فعل أكثر من ذلك؛ إذ هو اختار مسكنًا غير المسكن الذي كانت تقيم فيه زوجته. قال: هل كان هذا عقب الطلاق؟ قلت: لا، لم يحدث بينهما طلاق؛ فإنهما كانا على حب متين، ولكن لأن لكل منهماشخصية فذة، ولأن لكل منهما اهتمامات إنسانية وعلمية واجتماعية تستغرق الوقتالعظيم والجهد المتواصل، فإنهما انفصلا كي يجد كل منهما الحرية التامة في مواصلة عمله وتأدية رسالته. قال: وهل يمكن أن يسمَّى هذا زواجًا؟ قلت: كانا يجتمعان شهرًا أو شهرين كل سنة. 

ما دامت هذه أفكارك عن الحب والزواج فلن تستطيع أن تكتب قصة. قلت: ليست الدنيا قصصًا، إنما الدنيا كفاح ورسالة، ومع ذلك، سأكتب لك قصة تحوي غرامًا وزواجًا. قال: وكيف ذلك؟ طالبًا في كلية العلوم في السوربون « أندريه أوجست » قلت: هاكَ خلاصة القصة: كان في باريس، وكان البحث العلمي يستوعب كل وقته في النهار والليل، لا يكاد يجد فياليوم كله سوى خمس أو ست ساعات للنوم، وتخرَّج في السوربون، وأسَّس معملًا صغيرًاللتجارب في الدجاج والفئران والديدان، وكان هدفه أن يصل إلى الغذاء الذي يجدد الأنسجةفيطيل العمر، كما يقي من المرض، وبعد آلاف التجارب نجح في الاهتداء إلى هذا الغذاء،وفي يوم نجاحه غمره الهوى حتى صار يرقص! أفلا تعترف معي بأن هذا الغرام بإيجاد غذاء يأكله كل الناس وتزيد أعمارهم به إلى الضعف خير من الغرام بالمرأة؟ قال: أجل، خير ألف مرة. كان مع غرامه هذا بالعلم قد تعرَّف إلى « أندريه أوجست » قلت: ولكن اسمع، فإن فتاة، وكانت تزوره وهو بالمعمل، ولم يكن يلتفت إليها أيام بحثه قبل اهتدائه إلى الغذاءالمضاعِف للعمر، أما بعد ذلك فقد شرع يرفِّه عن نفسه؛ فصار يزور الملاهي معها، ويجالسها ويتحدث إليها كثيرًا، وأعادت إليه شبابه المنسي فأغُرم بها. قال: هذه طوالع حسنة للقصة؛ قصة بلا حب للمرأة ليست قصة. كان قد فكَّر كثيرًا في الانتفاع بهذا « أوجست » قلت: ولكنك لم تستمع إلى آخرها! فإن الغذاء، وكان يجد في أزمة العالم الحاضرة أن غذاءه الرخيص الذي يمكن أية عائلة فيالعالم أن تطبخه وتأكله، هذا الغذاء لا فائدة منه ما دام العالم يحارب ويقتل بعضهبعضًا؛ وخاصةً عندما نعرف أن الحرب القادمة قد تقتل ربع البشر أو نصفهم، ولهذاالسبب أعلن عن غذائه، وشرط أنه لن يفضيبالسر الخاص بتركيبه إلا للأمة التي تقدِّم البراهين العملية على أنها لا تنوي الحرب ولا تستعد لها. فقال سكرتير التحرير: هذا رجل عظيم! وقلت: لما أَحبَّ هذه الفتاة جعلت تغريه بجمالها كي يفشي لهاسرالغذاء، ولم يكنقصدها سيئًا، وإنما هي شهوة الاستطلاع العلمي فقط، وأفشى لها السر؛ للحب الوثيق بينهما. 

فقال: وماذا فعلت به؟ قلت: كانت هذه الفتاة تنتمي إلى الأمة التي تتهيأ للحرب، فحملتها وطنيتها على أن تفشي السر لرجالها. قال: أعوذ بالله! وماذا فعل هو؟ أن سر الغذاء قد عرفته الأمة التي تنوي الحرب « أندريه أوجست » قلت: لما عرف انتحر! 





الفصل الثاني

أعظم المخدرات



إن أسوأ المخدرات هو النجاح المبكر، أنت سكران بنجاحك، إني أدعو لك بالفشل! لما عرفتُه، قبل سنتين، أحببتُه؛ ذلك أنه كان يمتاز بشخصية انبساطية؛ يتحدث ويضحك،ويرى الدنيا مفروشة بالورود، وكان يجمع إلى الشباب شيئًا من الوسامة، وكان قدحاول الكسب وهو لا يزال طالبًا في الجامعة بالكتابة إلى الصحف الأسبوعية، ونجح فيمحاولته، وكان يكتب الأخبار التافهة الصغيرة التي تحتاج إليها المجلات ويتقاضىعليها نحو ثلاثين جنيهًا في الشهر. وكنت أكفُّه عن هذا النجاح الذي أصبح عادته، ولكنه طغى في نجاحه، حتى قلت له ذات مرة إنه يتناول أسوأ المخدرات! قال مدهوشًا: أنا؟ أنا لا أعرف المخدرات! فقلت: يا عاطف، إن أسوأ المخدرات هو النجاح المبكر، نجاح يرافقه شباب ووسامة. فقال: هل تطلب لي الفشل؟! قلت: نعم؛ أنت سادر، أنت سكران بنجاحك، إني أدعو لك بالفشل. فقال ضاحكًا: إن شاء لله أنت! كان هذا قبل سنتين، وكنت أتابع نجاحه وأنا في أسف عليه، ثم تخرَّج في الجامعة في يونية الماضي، وأحس قوة جديدة زادت طغيانه في النجاح، فوثب وسقط. وأسوأ ما في النجاح المبكر أنه يعوِّد صاحبه الإقدام، ثم التهور! فإن عاطفشرع منذ بلوغه الثامنة عشر يغزو قلوب الفتيات، بلا رحمة ولا تبصُّر،وكانت له معهن ميزتان: السخاء والدموع؛ فإن المرأة تُعجب بالقوة، والسخاء من أعظم

مظاهر القوة؛ فإنه كان لا يبالي أن ينفق مع الفتاة التي يدعوها إلى التنزه معه نحوخمسة أو ستة جنيهات في اليوم، وكان له أسلوب في إخراج النقود وإلقائها على المائدة،كما لو كانت شيئًا تافهًا، وكان يتفضَّل على خادم المطعم بنحو عشرين قرشًا فوق الثمن، يدفعها إليه كما لو كانت ثلاثة قروش، وكان هذا السلوك يسحر الفتيات. وفوق ذلك كان له أسلوب قاتل في الدموع. وقد أخبرني هو كيف وقع على هذا الأسلوب؛ فقد قال لي إنه كان يلعب وهو فيالعاشرة مع صبيِّة من عائلة مجاورة، وكانت تأكل بعض الحلويات، فرغب إليها أنتعطيه منها، فأبت عليه فبكى، وتأسَّفت الصبية حين رأت دموعه، وحَنَت عليه وأعطته الحلوى كلها. واستقر عند هذا الأسلوب؛ أسلوب أطفال، ولكنه أسلوب قاتل؛ فإنه كان عندمايجد جمودًا أو نفورًا من إحدى الفتيات يبكي، وكان البكاء يغمر وجهه فتحمرُّ وجنتاه،وتنهمر دموعه ويتشنَّج، ووجد بالتجارب أنه ليست هناك فتاة تستطيع مقاومته وهو في هذه الحال. وليس هذا غريبًا؛ فإن كل فتاة أمٌّ بطبيعتها، وهي تلعب بالعروس وتحتضنهاوهي لا تزال طفلة؛ أي تلعب بالأمومة، ولذلك يمتزج الحب عندها بالحنان، وهي تعامل حبيبها كما لو كان طفلها وهي أمه! وكان عاطف من ذلك الطراز الانبساطي الذي يذوب؛ يذوب فرحًا فيضحك كأنه سينفجر، ويذوب أسفًا حتى تبلله الدموع، وكان يعرف، بالتجارب العديدة، أنه ليس شيء أفعل من رحيق الحب عندما يمتزج بملح الدموع في القبلة الحارة، وبذلك كثرت ضحاياه. وهذا هو الذي جعلني أدعو له بالفشل؛ فقد كان خطره كبيرًا على الفتيات، كما كان الخطر عليه هو نفسه كبيرًا أيضًا؛ إذ هو كان يحيا وهو سكران بهذا المخدر القوي: النجاح الدائم. وحدث هذا العام ما تمنيت له، ولكن بصورة أبشع وأفظع مما تمنيت! فإنه عرف فتاة طردته لأول لقاء، ولكنه سلَّط عليها ثلاثة أسلحة: الشباب والسخاء والدموع، فوقعت، وكان وقوعها عظيمًا؛ إذ حملت، ولم يعرف عاطف في كل مغامراته الماضية مثل هذه الكارثة، وقصد إلى الأطباء في القاهرة يساومهم على إسقاط الجنين،ولكنهم رفضوا، وفكرت الفتاة في الانتحار، وأحس عاطف بجريمته، وجعل يخفف عنها، ويمنِّيها بإسقاط الجنين، وبالزواج منها. 

وسافر إلى طنطا، وهناك وجد من الأطباء مَن قَبِل إجراء العملية بخمسين جنيهًا، وخرج الاثنان من القاهرة في الصباح التالي إلى طنطا، وبعد أقل من ساعتين كان الطبيب يرتكب جريمة الإجهاض التي أتَّمها بعد أكثر من ساعة من العذاب للفتاة المسكينة. وعاد الاثنان إلى القاهرة حوالي الظهر، وودَّع عاطف الفتاة عند باب منزلها، وتجنب السؤال عنها توقيًا للشبهة، ولكنه بقي سبعة أيام وهو يتقلب على نار من القلق. وذات صباح وهو يتصفح الجريدة قرأ نعيها؛ ماتت من عملية الإجهاض، أو من آثارها! ولقيتُه بعد هذا الحادث بنحو شهر، وقد هزل وشحب، وكنت قد عرفت الخبر، فكان أول ما قلت له: كان أولى أن تموت أنت! وجعل يحدثني ويهذي عن الانتحار، فقلت له: اسمع يا عاطف، كنت أتمنى لك فشلًا يوقظك من نشوة الانتصار، ولكن شاءت الأقدار أن تسفك الدم، أو تشترك في سفكه حتى تستيقظ؛ أنت مجرم! وقعت هذه الجريمة منذ خمسة شهور، ولم أره منذ ذلك اللقاء المؤلم الأخير، ولكني لم أنقطع عن السؤال عنه، وعرفت أن أم الفتاة قد أصيبت بالفالج، وأنها تلزم السرير منذ وفاة ابنتها. أما عاطف فقد تغير؛ فإنه لم يترك بيته، بل غرفته، هذه الشهور الثلاثة الأخيرة؛ فقد زهد الدنيا، والنجاح، والحب، وهو لا يزال يجترُّ جريمته: موت فتاة شابة، وشلل الأم. واعتقادي أنه سوف يعيش وهو يحمل على عاتقيه هذين الوزرين الثقيلين، ولا بد أيضًا أنه سيقلع عن أسلوبه القديم. ولكن ما منفعة ذلك الآن؟ هل يَصلُح إنسان بموت إنسان آخر؟! 





الفصل الثالث

أحسن أم



الإنسان الذي لا يعتقد أن أمه أعظم امرأة في العالم لا يعد إنسانًا حسنًا؛ إن كل أم امرأة عظيمةٌ عند أبنائها. كان الدكتور شوقي يقول لي إن أمه أحسن أم في الدنيا، وكنت أقول له إنه يقول ذلكلأنها ماتت، ونحن نُكبِر في العادة من فضائل الموتى، وننسى تقصيراتهم أو نقائصهم،ولو كانت أمه حيَّة لكان في الاحتكاكات السيكولوجية اليومية ما يجعل أمه مثل سائر الأمهات؛ لا تزيد ولا تنقص. وكان صديقي شابٍّا في السادسة والعشرين، قد تخرج في كلية الطب قبل ثلاثسنوات، وتزوج في السنة الماضية، وبعد زواجه بنحو ستة شهور ماتت أمه، فأصبحت كأنها من القديسات؛ لها معبد في قلبه يذكرها ويصلي لها. وكان لا يفتأ يذكرها حتى كنت أسأم ثرثرته عنها، وأخيرًا قلت له كي يكفَّ عن ثرثرته: عرفت كلشيء عن أمك؛ فقد كانت أحسن أم في الدنيا؛ لأنها كانت تجيد طبخ الرز » والملوخية، وكانت تصلح الأزرار المقطوعة، وكانت تحسن غسل ملابسك وترقع جواربك، .«… و أنت لا تعرف أمي، فقد كانت تفعل كل هذا الذي تقول، » : ولكنه قاطعني قائلًا ولكنها كانت تفعل أكثر من ذلك، وأنا لا أحبها وأذكرها لأنها كانت أمي، بل لأنها كانت !« الأمومة، أتفهم هذه الكلمة؟ كانت الأمومة ونبَّهني صديقي بهذه الكلمة إلى أن الحديث جدٌّ، وأن مزاحي لا يليق.

ماتت أمي في نحو السبعين، وقبيل وفاتها بشهرين رأيتها وهي عارية، » : ثم قال وكنت قد دخلت المنزل دون أن أحُدِث صوتًا؛ لأن معي مفتاحًا للباب، وكنت متزوجًا،قد مضى على زواجي نحو أربعة شهور فقط، وكانت زوجتي في غرفتها، فكان دخوليكالتسلل لم ينبه أحدًا في البيت، وقصدت من فوري إلى الحمام لحاجة، وكان البابمردودًا، ولكنه لم يكن مقفلًا، فلما دفعته انفتح ورأيت أمي في الطست الكبير، وكانتتستحم بالماء الساخن الذي كانت تحبه، وكانت قد غمرت رأسها ووجهها برغوة الصابونفلم تحس بفتح الباب ولم ترني، وكانت قد هزلت؛ لأن مرض السكر كان قد عاث فيهاوحطَّمها، وكانت ترفض حقنة الأنسولين، فوقفت أتأملها وأتذكر تاريخها معي طيلةعمري الماضي، وكنت أتوقع موتها بعد شهرين أو ثلاثة شهور، وأحسست كأني أودِّعها.وجعلت أتأمل ضلوعها البارزة، وثدييها الضامرين المترهلين، وشعرها الأبيض،وقفص العظام المركب منه جسمها الضئيل، وغمرني حب وحزن ولوعة، ووددت لوأجد الشجاعة وأرتمي على جسمها وأقبلها، وقلت في نفسي: لقد استهلكتها، أنا استهلكتأمي التي فنيت وهي على وشك الزوال الآن؛ فقد أعطتني كل ما فيها من دم وقوة كيأحيا وأنجح، وها هي ذي تبيد وتتبدد كما لو كانت دخانًا بعد الإشعال، وبعد شهور ستنطفئ! ثم رددت الباب في هدوء، وقصدت إلى غرفة الضيوف، فدخلتها وأقفلت عليَّ الباب،وجعلت أبكي وألطم وجهي، وكنت أفعل هذا وأنا أكتم صوتي حتى لا تسمعني زوجتي؛ لأني كنت أخجل أن تراني وأنا في هذه الحال. تهزأ وتقول إنها كانت تخيط الأزرار المقطوعة، وتطبخ الرز وترقِّع الجوارب؟ ألم .«!؟ تُفنِ حياتها في هذه الأعمال، وكل هذا من أجلي قلت وقد غمرني خجل: لم أقصد إهانة والدتك، وإنما كنت أعبث بك فقط! ولكل الناسأمهات يمُتنَ، ولكن » .« الدنيا للأحياء وليست للأموات، ويجب أن ننسى حتى أمهاتنا ونحيا حياتنا ولكن كلماتي لم تخفف عنه، فإنه مسح الدموع عن عينيه بيده المرتعشة وتنهد، ثم قال: كنت وأنا طالب بالطب أجد إرهاق المذاكرة، وكنت أضيق بأقل الأصوات، وكنت » أبقى إلى كتبي وكراساتي إلى نحو الساعة الثالثة من الصباح، وما من مرة وجدت فيهاأمي نائمة قبل أن أنام أنا؛ فقد كانت تقعد في غرفة أخرى وعينها مسددة إليَّ، تنتظر 

مني أية بادرة تدل على حاجة كي تنهضوتؤديها، ولم يكن يجدي طلبي إليها أن تأوي إلى فراشها. وأذكر ذات مرة في حوالي الساعة الثامنة من الصباح، نهضتُ من مقعدي وأنامحطَّم القوى كاره للمذاكرة، وكان هذا من أثر التعب والجهد، فقمت أذرِّع البيت ذهابًاوإيابًا للانهيار العصبي الذي غمرني، وكانت أمي إلى جانبي تروح وتجيء معي، وهيلا تنطق، ثم عدت إلى مقعدي، وعادت هي إلى مكانها ترقبني، ولكنها لم تجلس، بلبقيت واقفة كأنها الديدبان، ولم تترك مكانها حتى آويتُ إلى فراشي، ووثقتْ من أني قد .« نمت واستغرقت في النوم ثم نظر إلى سقف الغرفة وجعل يتأملها، أو يتأمل ذكرياته عن أمه والتفت إليَّ وقال: لما نلت شهادة الطب وأصبحت دكتورًا كان فرحي بنجاحي دون فرحها؛ فقد » كأنها طفل، ومنذ الأسبوع الأول لنيلي شهادة « وتزأط » كانت تضحك ضحكات هستيرية الطب شرعت تبحث لي عن زوجة، وكنت طوال السنوات العشرين الأخيرة من عمرهاأواليها بحقنة الأنسولين؛ لأنها كانت مريضة بالسكر الذي أصابها عقب وفاة والدي، .« ولكن بعد أن تزوجتُ رفضتْ حقنة الأنسولين .«؟ ولماذا » : قلت رفضتْ رفضًا باتٍّا، وقالت لي: » : قال كنت أعيش كي أراك ناجحًا، وأنت الآن دكتور متزوج، فما منفعتي لك؟ دعني » .« أموت هانئة بك، وربنا يطيل عمرك وجعلت أتوسل إليها كي تأخذ الحقنة، ولكنها أصرَّت على الرفض، وانهارت صحتها .« وماتت بعد شهور اسمع يا دكتور شوقي: كانت أمك امرأة عظيمة، ولكن اعتقادي » : وتنهد كلانا، وقلت أن الإنسان الذي لا يعتقد أن أمه أعظم امرأة في العالم لا يعد إنسانًا حسنًا؛ إن كل أم .« امرأة عظيمةٌ عند أبنائها 





الفصل الرابع

لماذا تزوج؟



إنهما شاذان أو فذان؛ كلاهما يحب الحب، وقد وجد مصدر هذا الحب في شريكه. كان أصدقاؤه وأقاربه يتعجبون من كَلَفه بزوجته، وصحيح أنها كانت رشيقة مهذبة الكلمة والإيماءة، وكان بيتها مرتبًا يجد فيه الزائر رونقًا للأثاث ورقة في الهواء، على الرغم من الحر خارج البيت، كما يجد نظافة عامة، ولكن ليست كتلك النظافة المعقمة التي تجعلنا نذكر الصيدليات. كان في بيتها فن، وكان زوجها يعود إليه، إلى بيته، من مكتبه، وهو في لهفة؛ كأنهقد غاب عنه عامًا، فإذا دخله لا يتركه إلا في صباح اليوم التالي، بل إنه كان يتأفَّف من .« بهجة » الزائرين له؛ كأنهم كانوا يشغلونه عن حبه المسرف لزوجته وكانت بهجة تعرف فيه هذا الحب، وتضحك منه في فرح، وكانت قد تعودت منهنزوات، لم يكن فريد، زوجها، يخجل من إبدائها حتى أمام الغرباء من الزائرين؛ فقدكان يهبُّ منتفضًا من كرسيه فيقصد إليها ويغمر وجهها بوابل من القبلات، بين ضحك الزائرين وتعجُّبهم. وكنت كثيرًا ما أداعبهما وأقول إن هذا الكلف مفسد لهما، وأنه يجب أن يخرجا منهذا النشاط المحدود إلى نشاط أوسع؛ أي يجب أن يخرج فريد ثلاثة أيام على الأقل كلأسبوع كي يلتقي بأصدقائه في النادي أو المقهى، ويتصل عن طريقهم بالمجتمع، كما يجب على بهجة أن تزور صديقاتها وتتعرف إلى الأخبار والآراء. ولكن لا، كان فريد يجد في بهجة كل ما يتمنى في دنياه، وكانت هي كذلك لا يتجاوز نظرها وإحساسها فريد.

وكان الناس، من أصدقاء وجيران، يقولون إن فورة هذا الحب ستخمد بعد السنة الأولى، ولكن ها هما في السنة الخامسة من زواجهما وهما على كَلَفهما. لا يمكن أن يكون في الدنيا أسعد منهما. إنهما شاذان أو فذان؛ كلاهما يحب الحب، وقد وجد مصدر هذا الحب في شريكه. ولم تكن بهجة قد حملت، وكان شوقها إلى أن تحمل وتلد يشغل بالها بعضالوقت،ولكن لم يكن همٍّا ملازمًا؛ لأن حبها لزوجها وما تجد منه من غرام، كان ينسيها هذا الشوق. وأخيرًا حملت … وازداد تعلق فريد بها. ولما حان ميعاد الولادة قصدت إلى المستشفى؛ لأن الطبيب لم يطمئن إلى ولادتها فيالبيت، وهناك بقيت أكثر من أسبوعين وهي تحت إشراف الأطباء، وعرف فريد منهم أنولم ،« خارج الرحم » الولادة لن تكون طبيعية؛ لأن الجنين ليس في الرحم؛ أي إن الحمل يفهم فريد كثيرًا في هذا الموضوع، ولذلك كان مطمئنٍّا. وذات يوم، عقب عودته من مكتبه في الساعة الثانية بعد الظهر، قيل له في المستشفىإنه قد أجريت لزوجته عملية، وهي العملية القيصرية لشق البطن وإخراج الجنين، وأن الجنين مات، ولكن صحة الأم حسنة. وكاد فريد يجنُّ من هذه الأخبار، وقصد إلى زوجته فوجد أنها لا تزال مخدرة، وهي ملففة بعصابات من القماش حول بطنها. وحصل فريد على إجازة خمسة عشر يومًا كي يلزم سرير زوجته، وكان لا يبرح غرفتها لا في النهار ولا في الليل. وكانت كلمات الأطباء المعالجين مشجعة مبشرة، ولكن واحدًا منهم أبدى له تخوفه من أن الجرح قد ظهر فيه فساد، وأنه يخشى عاقبته. ثم فُتح بطنها مرة أخرى وقُطعت منه الأجزاء الفاسدة، وتألمت بهجة كثيرًا، ولكنها كانت تتجلَّد أمام فريد. وذات مساء، وهو نائم إلى جنب سريرها، استيقظ علىصراخها، فنهضوحاول أنيوقظها، ولكنها كانت تنظر إليه كأنها لا تعرفه، وهي في رعب عظيم، تهذي عن الوحش الذي يقف عند الباب ويريد أن يفترسها. وبعد لحظات سكنت، وكان سكون الموت. وقال له الأطباء إن صديد الجرح انتشرفي الجسم، وأن هذا هو علة هذيانها ورعبها قبل وفاتها. 

ودُفنت بهجة، وكان فريد يسير خلف نعشها وهو ذاهل لا يصدق أنها ماتت، وكانإحساسه غريبًا؛ فقد كان يفاجئ نفسه وهو يقول: غير معقول، غير معقول أنها ماتت!وغمره إحساس الغيظ، وكأن هذا الموت الذي خطف بهجة منه قد دبَّره له خصمٌ يريد إشقاءه، فلم يكن يبكي، وغصَّ حلقه بالغيظ حتى صار ينفث منه الدم. ولكن بعد أيام هدأ الغيظ، وشرع يؤمن بموت زوجته، ويبكيها على المخدة صباح كل يوم. وكنا نحن، جيرانه وأصدقاؤه، نقول: إن هذه الكارثة التي نزلت به تعلو على كل مايستطيع أن يتحمله إنسان؛ فإنه سيبقى سائر عمره وهو أرمل لن يتزوج، وكنا نذكر كَلَفه بزوجته ونقول: كيف يمكن إنسان أن يعيش بعد أن زالت منه هذه السعادة؟! كنا نأسف ونحزن، ونحس أن حزنه قد فاضمن صدره وغمرنا نحن جميعًا، ولميكن منا أحد يراه وهو قادم إلى منزله يتعثَّر في بطء كأنه في جنازة، إلا ويتنهد ويذكر نشاطه السابق حين كان يعدو إلى بيته كي يلتقي ببهجة ويقبِّلها. ما أقسى هذه الدنيا! ثم كان يومٌ ما زلت أذكره؛ لأنه من التاريخ؛ تاريخ العجايب؛ ذلك أنه بعد وفاة بهجة بخمسين يومًا فقط كانت العروس الجديدة تؤانس فريد في منزله. تزوج فريد بعد أقل من شهرين من وفاة زوجته التي كان كَلِفًا بها إلى حدٍّ يُضحك الناس. وأحسسنا نحن، أصدقاؤه وجيرانه، أننا نحتاج إلى الإيضاحات والمشاورات، فكنا نجتمع هنا وهناك، عند واحد منا، ونتحدث ونعلل ونفلسف. وقال واحد منا: إنه لم يكن يحبها، إنما كان يحب حبه لها. وقال ثانٍ: إننا حين نحب امرأة إنما نخترع لها صورة في أذهاننا نتعلق بها، وهذهالصورة بعيدة من المرأة التي نحبها، ونحن قادرون على أن نخترع مثل هذه الصورةلامرأة أخرى، وهذا هو ما فعله فريد الذي سيَكْلَف بزوجته الثانية كما كان يَكْلَف بزوجته الأولى. وقال ثالث: لا، اسمعوا، كان فريد يحب زوجته ويكلف بها، وقد تعوَّد منها عاداتصغيرة تتكامل وتتجمَّع فتُحدِث له ما نسمِّيه السعادة، فكان سعيدًا طيلة زواجه، فلما ماتت شقي؛ لأنه حرم من هذه السعادة، فلم يطق البقاء بلا زواج. 



وقال رابع: هذا كلام صادق؛ إن فريد لم يكن يحب بهجة بمقدار ما كان يحبالحال الزوجية التي كان يحياها معها، وكانت حالًا هنيئة، فلما ماتت سارع إلى الزواج كي يستعيد هذه الحال. وقلت أنا: أظنكم على حق هنا؛ فإن الناس يتوهَّمون أن الزوج إذا أتعسته زوجتهوشقي بحياته الزوجية معها فإنه يتمنى موتها ويسارع إلى الزواج من غيرها، ولكن هذاخطأ؛ لأن الأغلب أنه لن يتزوج سائر عمره؛ إذ هو يذكر الحياة الزوجية السابقة وينفرمن أن يعود إلى مثلها، أما إذا كانت زوجته قد أسعدته بالزواج فإنه يسارع عقب وفاتهاإلى الزواج من غيرها؛ لأن تجربته الماضية للزواج كانت حسنة، فهو يُقدِم على التجربة الثانية منجذبًا وكله أمل في السعادة والهناء.

الفصول من 5 إلى 9



الفصل الخامس

ذكريات قلب



وأحست أني رجل، وأن لي شخصية، وأني مسئول؛ ألست أحب؟ ألست محبوبًا؟ أليس في قلبي سر؟! هي ذكرى لا ينساها قلبي، كما لا تزال موضوع تنهداتي كلما قعدت على عشب أو تنسَّمت أَرَج الزهر، أو هبَّت عليَّ نسمة في الصباح. لقيتها لأول مرة وهي قاعدة على مقعد مستطيل في تلك الحديقة الجميلة التي تقععلى الشاطئ الغربي من النيل، وكانت قد ابتعدت عن تجمعات الزائرين، وكانت معها كراسة تدرس فيها. وسعت بي قدماي إليها، وأنا لا أقصد غير النزهة، أتأمل العشب، وأستمتع بإنضاجالأرض، وأتنفس هواء الصباح البارد، وتأملتها قبل أن أبلغها، وأجملت النظرة إليها وأناأبطئ السير، وكانت سنُّها لا تزيد على الثامنة عشرة، وكان جمالها مصريٍّا؛ شعر أسود، وعينان وديعتان، وصدر ناهد، وأنوثة عذبة. وتجاوزتُ مكانها على الممشىالذي يكسو الرمل، ولكني أحسست في قلبي نداء إليها كأنه دوار أو حنين أو نشوة. والتفتُّ إليها فوجدتها تنظر إليَّ، فكانت لحظة من السعادة ما زلت إلى الآن أسترجعها في ذهني، وأعيد تفاصيلها، وأهنأ بذبذباتها العاطفية في نفسي. وعدت من فوري إلى مقعدها، وقعدت إلى جانبها، وبيني وبينها فرجة. وما أجمل،وما أسعد، تلك الاختلاجة التي عمَّت جسمها وجعلتها ترتبك في حياء مذهل وحركاتمشوشة من اليدين والرأس استدللت منها على الاختلاط في إحساساتها لقعودي إلى جانبها! واغتبطتُ.

وكان قلبي في لغط وضوضاء، وقد تولت يديَّ وقدميَّ رعشة، ولا أعتقد أني كنت أستطيع الحديث إليها لو كنت قد أردت. وقصارى ما فعلت أني قعدت صامتًا، وأحسست أن أرض الحديقة وسماءها وأشجارها قد انفجرت غناءً، وكأن قلبي قد انفتح لعصرجديد. وقعدنا كلانا صامتين؛ أنا أتأمل الفضاء، وهي تدرس كراستها. ونظرتُ إلى حذاءيها، وإلى فستانها، وخطفت نظرة إلى صدرها، وتنهدت، ونظرتْهي إليَّ، كأنها فوجئت بتنهدي، وتنهدت هي الأخرى، ودمنا على ذلك ساعة كانت سحرًا ونشوة. ونهضت هي، ونهضت أنا، ولما خرجتْ من الحديقة التفتت إلى الخلف فوجدتْنيعلى قيد خطوات منها فاختلجت، ووجدتْ سيارة أجرة فركبتْها، وقبل أن تتحرك السيارة نظرت إليَّ، وأثبتت عينيها فيَّ. وقصدتُ إلى منزلي وأنا في ذهول من السعادة؛ أؤلِّف الأحاديث معها، وأتخيَّلإجابتها، وأحاول أن أصوِّر لنفسي كيف تكون يدها في يدي وأنا أصافحها يدًا طرية دافئة! الحق أن هذه المقابلة قد غيَّرتني؛ لأني وجدت بعدها قصدًا في الحياة، وليس هذا فقط؛ فإني أحسست أيضًا في قلبي سرٍّا. وفي اليوم التالي، وفي الميعاد نفسه، قصدتُ إلى الحديقة وهرولت إلى مقعدها،فوجدتها قاعدة كما كانت في الأمس، ولم تتمالك أن تبتسم، ولم أتمالك أنا أيضًا أن أبتسم، وقلت: صباح الخير. وأجابت في لعثمة محببة: صباح الخير. وانفجرت الأشجار والأعشاب والأرضوالسماء والهواء غناءً، ونهضتُ وجمعتُ أربعزهور وعدت بها إليها وقدمتها إليها، وتناولتْها، وتشمَّمتْها في ابتسام، وناولتني زهرتين منها، ووضعتِ الاثنتين الأخريين على صدرها. تأملتُها في حب وحنان وسعادة ورعشة؛ كانت مصرية، هل يمكن أن يكون في العالمأجمل من الفتاة المصرية حين تبلغ الثامنة عشرة، ويحيط بها حياءٌ كأنه هالة من الرقة والذوق والشرف؟! وقلت وأنا أتأملها: عيناك سوداوان. وانفجرت ضاحكة، وخفق صدرها وهي تضحك، فوقعت زهرة والتقطتُها، وأعدتُها في مكانها، وسرى في جسمي تيار من كهرباء الحب. 

وقلت: أنا اسمي يوسف. وقالت: أنا اسمي ثريا. ومددت يدي وتناولت يدها، وكانت أصابعها باردة، أما كفُّها فكانت دافئة، وقبَّلت الكف والظهر والأصابع، وتحدثنا عن السحاب الأبيض الذي كان يسبح في السماء، وعن وكر الحدأة في الشجرة الباسقة التي تنهض على حافة الحديقة، ثم استحال الحديث إلى كلمات تافهة وإلى معانٍ مضمرة تتخللها تنهدات. ونهضتْ، وركبتْ سيارة أجرة بعد أن وعدتني أنها ستأتي في الغد، وغابت عني السيارة، وأحسست أني رجل، وأن لي شخصية، وأني مسئول. وقصدت إلى منزلي، وقبل أن أصل إليه عرجت على شارع فؤاد حيث اشتريت قميصًا جديدًا مع ربطة جديدة زاهية، ودخلت البيت وأنا في نشوة؛ أتحدث كثيرًا وأضحك كثيرًا، وفي نفسي إحساس بأني ممتاز على جميع من في البيت. ألست أحب؟ ألست محبوبًا؟ أليس في قلبي سر؟ وعدت في الميعاد إلى الحديقة، ووجدتها، وقبَّلت يدها في حرارة، وقعدت إليها، ولحظت التفاتها إلى القميص والربطة الجديدين، ووضعتْ يدها على خدي وأمسكتْ بأذني ثم بعنقي، وأخذتُ يدها، ووضعتُها على شفتي، وجعلت أقبِّلها وأنفاسي تخرج على أصابعها، وبقينا نعبث ونضحك نحو ساعة، وجاء ميعاد قيامها، فودعتها إلى السيارة. وعدت في اليوم التالي فلم أجدها، وعدت في الأيام التالية فلم أجدها، وقد مضى إلىالآن نحو اثنتي عشرة سنة وأنا أستعيد رؤياها، وأتخيلها في اليقظة والنوم، فتمتلئ نفسي سعادة وحسرة. وكثيرًا ما أستسلم لأحلام اليقظة، فأجدني أتحدث إليها، وأتأمل وجهها، وأتشمَّمالعطر في شعرها والعرق في صدرها، وكم من مرة سعدت بهذه الأحلام وأنا أزور هذهالحديقة، فأتخيلني معها ونحن نمشي ونتنحى عن المماشي العامة إلى ظل شجرة، حيثنقعد على العشب، ثم أقترح عليها الزواج، فتغمض عينيها في خفض الحياء، ثم نأخذ في التفاصيل: أين نسكن، وأي أثاث نشتري! أجل يا ثريا، ما أحلى ذكراك في نفسي! وكم من مرة كنت آوي إلىسريري مهمومًا أومغضبًا فأتخيلك راقدة إلى جانبي، في أنوثتك وعذوبتك، فأنسى همومي وغضبي، وأهوي على وجهك بالقبل، وآخذك بين ذراعيَّ سعيدًا منتشيًا. 

وعندما أتأمل حياتي الماضية أحس كأنها كانت كلها كتابًا من النثر قد خلا منطرب الإيقاع، إلا بضعة أبيات من الشعر، هي تلك الأيام القليلة التي كنت ألقى فيها ثريا في الحديقة. وهأنذا قد مضى عليَّ ثلاث سنوات وأنا متزوج، ومع ذلك ما أعذب هذا الإحساس الذي تمتلئ به نفسي ويختلج به جسمي! إني أحس كأن زواجي هذا هو الثاني، وأن ثريا كانت زوجتي الأولى. كيف يتكوَّن هذا الإحساس مع أن كل ما عرفتُه منها ثلاث مقابلات في الحديقة، كانت كلها نظرات وتنهدات؟! أليس حقٍّا أن دنيا الخيال التي نبنيها تحيا معنا وترافقنا، وتؤنس حياتنا، كما لو كانت ودنيا الحقيقة سواء. أيها القارئ، عندما تذهب إلى هذه الحديقة التي بالشاطئ الغربي للنيل، شمال جسرقصرالنيل،لا تنسَ أن تيمِّم الجزء الشمالي منها؛ شمال بغرب، وهناك تجد مقعدًا منفردًا نائيًا،فاقعد عليه، واستعِدْ هذه الإحساسات التي ذكرتُها لك، وعش لحظة من السعادة التياستمتعت بها أنا وثريا، واستمع إلى الأشجار والهواء والسماء والأرض وهي تغني كما كانت تغني لنا. إنها ذكرى لن ينساها قلبي! 





الفصل السادس

خريف+ ربيع



لقد امتاز بعبقرية الذهن، لا شك في ذلك، ولكنه لم يمتز بعبقرية الحياة. أجل، إن هناك فرقًا بين عبقرية الذهن وعبقرية الحياة! استيقظ الأستاذ ماجد حوالي الساعة الأولى من الصباح، وكان قد آوى إلى فراشه في الساعة الحادية عشرة بعد سهرة تحامل على نفسه فيها وهو متعب. وأحس أن قلبه يدق دقات غير منتظمة، وأن في رأسه دوارًا، وكانت زوجته غارقةفي النوم على سرير آخر، ففكر في إيقاظها، ولكنه عاد وتساءل: وماذا يمكنها أن تصنع؟وازداد الدق في ألم كما لو كان جرحًا يضرب، ثم صار خفقانًا والتهاثًا، فترك نفسه على سريره وهو يقول: إذا كانت هذه هي النهاية فلتكن! وبقي في قلق وعرق نحو ربع ساعة، عاد إليه بعد ذلك هدوء في النفس وصفاء في الذهن، فاعتدل بقدر ما يستطيع في فراشه وجعل يفكر. وتقلبت زوجته علىسريرها، وخشيأن تراه يقظًا، فتناوم، ووضع ذراعه على رأسه، حتى اطمأن إلى أنها نائمة، وعاد إلى نفسه يبحث كأنه يحقِّق، ثم تنهد وهو يقول: – قد لا أنجو مرة أخرى من مثل هذه النوبة، وقد تفاجئني في الليلة التالية أو بعد عشر سنوات، هذا ما لا أعرف، ولكني أعرف أني حي الآن. ثم انبسط أمامه فيلم حياته الماضية؛ إنه الآن في الخامسة والستين من عمره، وهيسنٌّ خطرة، قلَّ مَن يتجاوزونها في مصر، وهم في أوربا يبلغونها وهم شبان بفضلالعيشة الصحية التي يعيشونها: طعام بلا دسم، ورياضة يومية، ونزهة سنوية، وشباب يُستأنف عامًا بعد آخر بلا حياء كاذب. وهو الآن أستاذ معروف في الجامعة وفي غيرها من المحافل الثقافية، وقد ألَّف كثيرًامن الكتب العلمية والفلسفية، وعاش طيلة حياته الماضية وليس له هدف سوى احتواء

المعارف وتمحيصها، ودراسة الإنسان والكون. وقد أحاط بالثقافة العالمية، حتى ليمكنأن يقول عن نفسه إنه أكثر الناس ثقافة في بلاده، وأنه ليس هناك ذهن بشري قد وجدمن العناية أكثر مما وجد ذهنه؛ فإنه يتصور الكون ويعرف تاريخ الإنسان، ولقد درسمن الموضوعات ما لا يخطر على أذهان المثقفين، أليس في مكتبه نحو عشرة كتب ضخمة عن النباتات؟ ثم ألم يشرع هو منذ ثلاث سنوات في دراسة الذرة؟ إنه لا شك عبقري الذهن! ولكن ما قيمة حياته؟ هل كانت هي الحياة المثلى التي لم يكن ليستطيع أن يختار غيرها لو أنه كان قد خُيِّر في بداية عمره؟ وتضاربت الأفكار والخواطر حتى احتواه النوم، واستيقظ في الصباح وتحدَّث إلىزوجته، وفاجأها بأنه ينوي زيارة الهند، وتأملتْه وهي لا تصدق ما تسمع، ونهض إلى مكتبته، وقعد يتأمل ولا يقرأ. وبعد أن تأمل صفحات حياته الماضية فكَّر وحاول أن يتعقَّل؛ لقد امتاز بعبقريةالذهن، لا شك في ذلك، ولكنه لم يمتز بعبقرية الحياة. أجل، إن هناك فرقًا بين عبقرية الذهن وعبقرية الحياة. لا شك أنه فيلسوف وعالم وأديب وكلشيء، لقد حفِلت حياته بالإحساس والتفكير، ولكنها لم تحفل بالحوادث والاختبارات. ثم عارض نفسه وهو يقول: ولكن لماذا أقول هذا؟ ألم أحب؟ أحببت امرأتين أخلصتْ كلتاهما لي. ولكنه تذكَّر حبَّه للمرأة الأولى، وكان مأساة؛ فلقد بسطتْ أمامه المائدة بكل ماتحتوي من شهي الطعام، وشرع يأكل، ولكن لقمة واحدة لم تدخل فاه، كأن شللًاقد أطبق شفتيه، وحاولت هي أن تفتح شفتيه، ولكنها عجزت، وبحث، ونقَّب، ودرس،وفكَّر، ثم عرف أن ثقافته قد أرهفت إنسانيته فجعلته يرى في الطعام لحمًا يصرخ بأنه من الحيوان فترفَّع عنه. ألم يعش قرابة سنتين وهو لا يذوق اللحم؟ لقد كان ذهنه متخمًا بالفنون والآداب التي أفسدت معاني الحب عنده، وكما جعلتهيعزف عن طعام اللحم جعلته أيضًا يعزف عن لقاء اللحم؛ لقد كان يحب بذهنه، ولكنهكان يجب أن يحب بإحساسه أيضًا، ولقد هنئ غيره بالشهوات الأرجوانية أما هو فلم يعرفها؛ لأن دمه شحب بالدراسة وفقد أرجوانيته. 30

ربيع ولكن الحب عاد فدخل قلبه واستقر وأثمر في المرة الثانية. ثم قال: ولكن حياتي الماضية لم تغصْإلى الأعماق، ولم ترتفع إلى القمم؛ لقد عشتفي وادي الحياة، لم أعرف إحساس الخطر، ورعشة التحدي له، أو لذة الفرار منه، لمأعش في باريس حين حاصرها الألمان، ولم أخرج مع الناجين ومدافع الألمان تطاردهم،ولم أتذوَّق علقم الحياة من بؤس أو فقر أو مرض، وكان يجب أن أجرع هذا العلقم حتى أقيء منه. !« لقد كانت حياتي حياة الأفكار، ولم تكن قط حياة الحوادث والاختبار » إلى الغابة، وفر من المدينة الأمريكية التي كان يسكنها، وأراد « ثورو » لقد خرج يتأملها في وحدته وعلى بعد من صخب المجتمع، « على حِدَة » بذلك أن يتعمق الحياة ويقف ولكنه هو لم يترك مكتبته؛ لأن حياته كانت حياة الدرس والثقافة فقط. دون أن ينزل على آراء « على حدة » أين الغابة التي يستطيع أن يلجأ إليها كي يفكر المجتمع؟ أين الغابة التي تحدث فيها الحوادث وتقع الأخطار ويجني منها الاختبار؟ وفي هذا اليوم لم يفتح كتابًا، ولم يكتب حرفًا؛ إذ كان قاعدًا وكأنه في ذهول، وسمع نفسه يقول إنه سيزور الهند واليابان قبل أن يموت. وتنبَّه بصرير التليفون، فتناول السماعة، وإذا بصديق يدعوه إلى تمضية المساء عنده. ورحَّب، على غير عادته السابقة، بهذه الدعوة، ووعد بالذهاب إلى منزل صديقه الساعة الثامنة. إنه لا يريد أن يقرأ أو يكتب، إنه يريد لقاء الناس؛ إذ لم يبقَ من العمر سوى فترة قصيرة أو طويلة قبل نوبة أخرى كهذه النوبة التي أيقظته في الليلة الماضية. وكان عند صديقه في الميعاد، وتحدَّث إلى كثيرين في طلاقة وابتسام، وأحس انتعاشًالجو الطرب الذي كان يسود الزائرين؛ فكانوا يضحكون لأتفه نكتة، ويشربون ويأكلونفي سذاجة وحيوانية، وأكل معهم وشرب قليلًا، ثم انتحى ناحية وقعد، وجاءت إليه فتاةعرف منها أنها معلمة، ويبدو أنها لا تزيد على الخامسة والعشرين من العمر، وطالالحديث بينهما، وكانت هي تتحدث كما لو كانت مسحورة بشخصيته، كما كان هومرتاحًا إلى إعجابها به، وإلى وسامة ملامحها وهدوء نظراتها، وكانت من أجمل ما سمعه منها قولها: أنت إنسان. 31

ومع أنه كان قد سمع هذه الكلمة قبل ذلك، فإنه كان لوقعها في نفسه، من هذهالفتاة، أثر الطرب الغامر؛ فقد قالتها في وداعة ورقة بالغتين، كما لو كانت تقبِّل رأسه وتمسح جبينه. لا بد أنها قد قرأت مؤلفاته. وتحدثت الفتاة إليه عن شخصية المرأة، وعن حكمة العيش، وعن الكتب، وعنوكان يجيب في يسر حتى أحست ،« بول سارتر » و « أندريه جيد » التربية، وعن مؤلفات هي ألفة لم تكن تنتظرها، فلم تخجل ولم تتحفظ. وترك السهرة وعاد إلى منزله، وفي نفسه أغنية؛ فإن صورة هذه الفتاة لم تبرحذهنه؛ إنها حين كانت تتحدث كانت ترفع رأسها إليه، فكان يرى عنقها الذي يستهدفذقنها من أعلى وينساح عن صدرها من أدنى، وهو يذكر أنه وهو قاعد إليها قد تخيلهاوقد أرسلت شعرها على وجهها، فانساح حول وجهها إلى كتفيها، ثم تأمل عينيها ونظرإليها، ثم من خلالهما، إلى هذا الذهن الذي يسأل ويستطلع في ذكاء وقصد. أنها تمتاز بعقل متسائل. ثم طرد هذه الخواطر وهو يقول: كأني أحبها! رجل في الخامسة والستين يحبفتاة في الخامسة والعشرين؟! حب عقيم، وهو على كل حال من طرف واحد؛ إذ لا يُعقل أنها يمكن أن تحبني! وفي صباح اليوم التالي عاد خيالها يتجسَّم، وعاد هو يتخيل ويتحدث إليها ويستمع إلى إجابتها، ثم يطرد هذه الخواطر بعزم وعنف. ثم قال: الواقع أني لا أحبها، ولا يعقل أني أحبها، وكل ما في الأمر أنها شغفتني بإعجابها بي وبحديثها. ولم يجد ،« فتنة » ولكن ساعي البريد جاء بعد يوم بخطاب منها، وعرف أن اسمها في الخطاب غير سطور عن إعجابها به وشكرها له، ثم رجاء بلقاء آخر. فعاد يتأمل، ثم يفكر، وماذا لو لقيَتْه؟ لعله يحتاج إلى مثل هذا اللقاء الذي يكسبه إحساسًا مجددًا بالشباب، كما تنتفع هي بحديثه. نعم، هو لقاء تلميذة بأستاذها. وتقابلا، ثم تكرر اللقاء، ولم يكن يخاطبها باسم فتنة؛ لأنه وجد في ذكائها وإنسانيتها ما جعله حين يخاطبها يقول: يا نفس. كان يحس أنها نفس أكثر مما هي جسم، وأنها إحساس أكثر مما هي تفكير، وأحبت فتنة هذا الاسم، وقالت: جميل هذا الاسم؛ اسمي نفس. 32

على حياته وأشرق ذهنه، وكان في الصباح، وهو قاعد في مكتبه، « نفس » وسطعت يتناول القلم ثم يؤلِّف بيتين من الشعر، لا يتمُّهما حتى يضحك ويمزق الورقة. فأحس انتعاشًا واعتلاءً، وكتب هذه ،« نفس » وذات صباح، وهو في مكتبه، تذكَّر الكلمات: !« إني ما زلت أقتفي أثر شبابي وأنزع نزعته » ثم تأمل معاني هذه الكلمات وضحك، ومزق الورقة. وكثرت المواعيد والمقابلات، وكانا يخرجان لمقابلة الربيع في الحقول؛ حيث يعبق الجوبأزهاره، وحيث تنشد الطيور أشعارها على الأشجار، ثم تكون بينهما كلمات وهمساتوقبلات، ثم يفترقان ويعود الأستاذ ماجد إلى منزله ليتلقَّى وخزات ضميره: ما الذييبغي من هذا الحب؟ إنه يعبث بالفتاة. وصحيح أنه مخلصفي حبه صادق في إحساسه،ولكن مكانة كل منهما الاجتماعية، والفرق الشاسع بين عمريهما، يجعلان من كل هذه المقابلات عبثًا؛ إذ لن تنتهي بزواج. ثم يعتذر أمام ضميره فيقول: ولكنها تنتفع بحديثي؛ لأني أربِّيها. ولكن ضميره يرد في غلظة: أنت تغالط، وأنت تعرف أنك تثلم شرفها بالإشاعات،وتعطل زواجها من شاب في عمرها يعطيها قدر ما تعطيه من قلبها، وهذا ما لا تقدر أنت عليه؛ خير تربية لها هو زواجها. ثم تغمر ذهنه غيمة من الظلام والأسف؛ لأن عقله يناقض قلبه. أجل، يجب أنيعترف بالحق، وأن يقول لها إنهما لا يتكافآن؛ إذ هو في سياق الموت، وهي في انتظار الحياة، هو في خريف العمر، أو في شتائه، أما هي فلا تزال في ربيع عمرها. وأخبرها بضرورة انفصالهما، « نفس » وبعد أيام قصد الأستاذ ماجد إلى الآنسة وقال: لا أعرف إذا كنت عاقلًا أم جبانًا، ولكن على أية حال يجب أن تتزوجي شابٍّا فيسنك، وأن تسكبي عليه كل ما عندك من حب، أما أنا فحسبي عبقرية الذهن، أما عبقرية الحياة فقد مضىأوانها عندي. من هذا التغير، وأصرت على أنهما زوجان؛ زوجان في الروح، وأنها « نفس » وفزعت لا تطلب أكثر من ذلك. ولكن الأستاذ ماجد أصر أيضًا على أنها يجب أن تتزوج وتحيا حياة بعيدة عنه؛ .« روحي » لأنه لا يكفل لنفسه أو لها السلامة في هذا الحب الذي وصفته بأنه 33

إن هذا الحب بلا شك، إلى الآن، كما وصفته، ولكن هل يمكنهما الصبر على ذلكطويلًا؟ وما بقي من عمره هو سنوات معدودات، وقد لا تكون أكثر من شهور، أما هيفأمامها نصف قرن، وعليها أن تختار هذا الشريك الذي يرافقها في هذه الرحلة الطويلة. وقال: لا بد من الانفصال، لا بد. ثم صمت، وعاد إلى الكلام وقال: عودي إلى الحياة، وسأعود إلى مكتبي. وبكت، وتوسلت، ومسح هو دموعها، وقبَّل شعرها ووجهها وهو « نفس » وتألمت يرتعش، ثم جرى الحديث بينهما كما لو كان عتابًا واعتذارًا بين عاشقين، واقتنعت هي،من حيث لم يقل لها، فإن فراقهما هو الوسيلة الوحيدة لأن يعود الأستاذ ماجد إلى دراساته التي انقطع عنها لاشتغال قلبه بحبها. ثمصار الحديث وداعًا ودموعًا، أنها لن تنساه، أنه لن ينساها، ولن تنقطع المكاتباتبينهما حتى بعد أن تتزوج من شاب في عمرها، وقالت وهو يمسح دموعها: إن ما يربطني بك أقوى من أية رابطة أخرى. من أحد الأطباء الشبان، وأصرت على استبقاء هذا الاسم الذي « نفس » وتزوجت يذكرها على الدوام بزواج روحي سابق لن يلغيه طلاق، أما الأستاذ ماجد فقد أحس أنهكي يختبر ؛« رحلة ثقافية » لا يطيق رؤية مكتبه وقراءة كتبه، فتجهَّز وسافر إلى الهند في الحياة بما بقي له من وسائل الاختبار. وبعد سنين كان أصدقاء الأستاذ ماجد العارفون يقولون إنه كان عاقلًا، أما هو فكان يقول عن نفسه إنه كان جبانًا. 34







الفصل السابع

طلقت أخي



وجمعنا الأقارب للصلح، وأي صلح هذا؟ أليس لنا أرضولنا دخل؟ فما معنى الصلح إلا أن نحصل على هذا الدخل؟! طلقت أخي، وانفصلت منه، وقد مضى عليَّ أكثر من عشر سنوات وأنا لا أعرفه، ولم أذكره إلا لأني قرأت نعيه في الجرائد. وفي هذا الكلام قسوة، بل خشونة تأباها الرقة والذوق، ولكنه هو الحق، على الرغممن الأخلاق الإقطاعية التي لا تزال تلابسنا، وتوجِّه عواطفنا، وتطالبنا بالخضوع لنظام بطريركي في العائلة، وهو نظام قد أصبحت الظروف الجديدة تصرخ بإلغائه. وأنا الآن أم؛ لي ثلاث بنات وولدان، وإني لأحاول جهدي ألا أقع في الأخطاء التيوقعت فيها أمي، وأحاول جهدي أن أمنع الولدين من الاستبداد بأخواتهما البنات كمااستبد أخي بي وبأختي، وإني لأضرب لهم جميعًا المثل لما فعله أخي معي أنا وأختي؛حتى يتعظوا، وحتى لا يحس أحد من الولدين أن من حقه أن يستبد بأخواته البنات، أو يجيز لنفسه أن يسرقهن كما فعل أخي بي وبأختي. قرأت نعي أخي في الجرائد فتنهدت، ولكني أحسست انفراجًا؛ فإن بقاءه في الدنياكان تحديًا للحق والشرف والحب والإنسانية، ولكنه مع ذلك كان، إلى حد ما، مظلومًا؛لأن المجتمع الذي كنا نعيش فيه قبل ثلاثين وأربعين سنة كان يتجاوز عن الآخر الذي يسرق أخواته البنات، وكان يعده الوارث الأصيل للأبوين. إن البنت حين تتزوج وتترك بيت أبويها، يجب أيضًا أن تترك كل ما في هذا البيت،وأنه ليس لها من حق في ثروة أبويها سوى هذا الحق الصوري الذي يتعيَّن في عقود الامتلاك.

ورثت عن أبويَّ نحو عشرة فدادين، وهذا غير حصتي في بيتنا الكبير في القاهرة،وكان أبي قد مات قبل زواجي بسنة، وماتت أمي بعد زواجي بثلاث سنوات، وكانزوجي رجلًا حييٍّا، وكان يعمل موظفًا في إحدى الوزارات بمرتب يكفينا، كما كان يملكمنزلين بالقاهرة يغلَّان لنا دخلًا سنويٍّا معتدلًا؛ ولذلك لم أطالب والدتي أو أخويَّ بشيءمن حقي طيلة حياتها؛ وذلك لأني كنت أحبها، وأحب أن تحس بأن ما ورثته أنا منأبي يجب أن يبقى لمتعتها، وأيضًا لأن زوجي كان حييٍّا يعتقد أن ليس من الشهامة أن نطالب أمي وأخويَّ بدخلي وهو دون المئة من الجنيهات في السنة. وماتت أمي، وقضيت أنا وأختي بمنزل أبويَّ نحو خمسة عشر يومًا نستقبلالتعازي، وكانت أختي متزوجة مثلي، ولكن زوجها لم يكن على يسرٍ في العيش، وكانت أمي في حياتها تساعدها بالقليل الذي تحصل عليه من أخويَّ. وقبل أن نغادر المنزل، أنا وأختي، تحدثنا إلى أخويَّ بشأن ما نملك في الأرضوالبيت، وكان في البيت من الأثاث ما لا يقل ثمنه عن ألف جنيه، ولكننا لم نتحدث عنه بتاتًا وتركناه لأخوينا. وإني لأذكر الامتعاض الذي بدا على وجه أخي الأكبر حين صارحناه، أنا وأختي،بأننا نحتاج إلى دخلنا من الأرض، وقد سلَّم أخي الأصغر بهذا الحق، ولكن أخي الأكبرلم يسلِّم به، وجعل يسوِّف، ويتعلل بأنه لا يعرف المستأجرين، وأن هذا الموضوع يمكن أن يؤجَّل. وفهمت من التأجيل أنه لن يتجاوز الشهرين أو نحو ذلك، ولكن مضت تسعةشهور دون أن نجد أية نتيجة، وجاءتني أختي تشكو، وتقول إن ما كانت تحصل عليه من أمِّنا قد انقطع، وأنها في حاجة؛ لأن دخل زوجها صغير، وأن أولادها قد كثروا. وقصدنا أنا وهي إلى أخي الكبير، وحادثناه في رفق وحب، ولكنه عارضنا في عنف، كأننا أغراب نريد الاستيلاء على ثروته بلا حق. هنا؟ « صلح » وجمعَنا الأقارب للصلح، وأي أليس لنا أرضولنا دخل؟ فما معنى الصلح إلا أن نحصل على هذا الدخل؟ كانت تعني شيئًا آخر عند أخويَّ الاثنين، وعند الأقارب، وكان « الصلح » ولكن كلمة الكلام كله يجري على هذا النسق: الصلح خير، الوفاق أحسن من الخلاف، بوسي رأسه، بوس رأسها! ثم ينفضُّ السامر، ونعود أنا وأختي إلى بيتنا بلا نتيجة. 

ولم نكن ننتزع خمسة أو عشرة جنيهات من أخي إلا بعد شجار، وكان يحاسبنا— إذا حاسبنا — على إيجار لا يزيد في المتوسط على أربعة وخمسة جنيهات للفدان، فيحين كان هو يؤجِّره بنحو عشرين أو ثلاثين جنيهًا، وحاولنا بيع الأرض، فجعل يعرقل البيع، حتى لم يعد أحد من المجاورين يخاطبنا في البيع. فتح » وكنا حين نشكو يقال لنا إنه فاتح بيت، وإننا يجب أن نتسامح معه، وكأن يعني أن يأكل هو أكثر مما نأكل نحن، وأن يقتني سيارة في حين أن أخته لا تجد « البيت القدرة على شراء الطعام الضروري لأطفالها. وأخيرًا حدثت الكارثة: فإن زوج أختي مات، ولم يترك لها من المعاش سوى نحوسبعة جنيهات في الشهر، وكان أولادها خمسة: ولدان وثلاث بنات، أصبحوا جميعهم على الحضيض، أو ما يقارب ذلك. وقصدتُ إلى أخي، وبسطت له حال أختنا، وتبرَّعت أنا بكل حصتي في ميراث أبويَّ لها، ورجوته بأن يعطيها حقها؛ حقها لا أكثر. ولكنه تبرَّم، وزعم أن الأرضقد انحطَّت، وأن ريعها يقل عامًا بعد آخر، ولم أتمالك أن أقول هنا: ولماذا لا تبيع السيارة وتعطي أختك حقها؟ واستشاط هو من كلامي، فهبَّ يسبُّني ويهدد بأنه لن يدفع شيئًا، لا لي ولا لأختي.حدث هذا منذ عشرة سنوات، وقد طلقته منذ تلك اللحظة ودخلت أنا وأختي معهفي قضايا للقسمة، وللحصول على الإيجارات، وقد أنفقنا في هذه القضايا مئات الجنيهات وست سنوات من النزاع. ونجحنا في الحصول على ميراثنا في البيت والأرض، ونجحنا في أكثر من ذلك، وهو أننا طلقناه؛ لأنه لم يكن أخانا. أجل لقد طلقت أخي؛ لأني وجدت أن من حقي أن أحيا حياتي وأنا بعيدة عن هذه الشخصية المعاكسة المشاكسة، فضلًا عن حقي في ميراث أبويَّ. وحين قرأت نعيه في الجرائد ذكرت المعاكسات التي لقيتها أنا وأختي منه كي ينهب وتنهدت، ولكني عجزت عن أن أقول: الله يرحمه. ،« فاتح بيت » حقنا بدعوى أنه 





الفصل الثامن

غرفة الخادمة



كان يخالجها اليأس، فإنها كانت لا تزال تستمسك وتأمل « أسماء » ومع أن ضد الأمل. تزوَّجتْه عن حب يزيد على ما كان يكنُّه هو لها منه؛ فقد كان محاميًا موهوبًا، نالشهادة الحقوق ولم يبلغ الثانية والعشرين، وكان وسيمًا في قوامه، كما كان أنيقًا فيذوقه؛ يتخذ الملابس التي تماثله، ويتحدث في ابتسام، ويسرع إلى تقديم المعونة التي تقتضيها الشهامة للآنسات. وهي طالبة معه أيضًا في كلية الحقوق، وجرفها الحب فلم تكن « أسماء » عرَفتْه تطيق مفارقته؛ إذ كانت تذهب إلى منزله، أو يذهب هو إلى منزلها للمذاكرة، ومع أنهكان يسبقها في الدراسة بثلاث سنوات فإنهما كانا يتعلَّلان بأن هناك موضوعات دراسية لا يزالان يشتركان فيها. ولما نال الأستاذ أنيس شهادته وترك الكلية، كفَّت أسماء عن الاستمرار في الدراسة،وتم زواجهما، وسافرا الإسكندرية حيث كان مكان العمل الحر؛ أي المحاماة، الذي اختاره الأستاذ أنيس مُؤثِرًا حريته على الوظائف الحكومية. ولم تندم أسماء على تركها للدراسة؛ فإنها وجدت في أنيس كل ما تشتهيه الفتاة فيالزواج من السعادة، ووجد زوجها الشهرة التي لم تتأخر كثيرًا؛ فإنه أمضىالسنة الأولىفيما يشبه الركود والكساد، ولكن الرخاء كان في السنة التالية؛ فإن كثيرًا من الشركات عرفته وأقبلت عليه، وكان اختصاصه القضايا المدنية والتجارية. ومضت سبع سنوات وهما يتقلبان في هناء الزوجية، وكان كسب الأستاذ أنيسوفيرًا، يتيح لهما التشتية في الأقصر، والاصطياف في لبنان، ولكن كان هناك مع ذلك

ما ينغصهما، وهو أنهما حرما الأطفال، ومع كل ما بذلاه من مجهود بقيا طوال هذه السنوات دون أن تحمل أسماء. ولكن الثراء، وما كان يتيح لهما من الاستمتاع، كان ينسيهما هذا الحرمان، وأنهمااستقرا في النهاية على عادات اجتماعية تشغل وقتيهما بالزيارات والتنزهات وشراء الصفقات الكاسبة من عقارات مدنية أو ريفية. ثم حدث وهما يسيران ذات يوم على الكورنيش أن لحظت أسماء في زوجها اضطرابًافي حديثه؛ فقد كان يثِب من موضوع إلى آخر في تفكُّك وبلا ارتباط، ولم تأبه كثيرًا؛ إذ هي علَّلته بأنه متعب من عمله في مكتبه. ولكن هذا الاضطراب استمر في اليوم التالي، وزاد كثيرًا بعد أسبوع، حتى إنه؛ أيالأستاذ أنيس، كان وهو إلى المائدة ينسى أنه يأكل، ويسترسل في الحديث المتفكك عنالسياسة، التي يثب منها إلى بعضالقضايا التي يدرسها، ثم يثب من هذا إلى الاستحمام في البحر، ثم يذكر أحد الأصدقاء. وذُهلت أسماء، واستدعت ثلاثة من أصدقاء زوجها، وجميعهم من الأطباء، وما هوأن حضروا إلى منزله، ورأوه على هذه الحال حتى تلاحظوا في صمت يدل وكأن كربًا عظيمًا قد حطَّ عليهم. وهُرع أحدهم إلى الشارع، وسارع إلى سيارته، ومضى بها يعدو إلى إحدىالصيدليات؛ حيث اشترى عددًا كبيرًا من الأنابيب عاد بها، وشرع الجميع يعالجونه ويحقنونه. وفهمت أسماء من نظراتهم أن هذا مرض خطير يخشونه، فطلبت منهم أنيصارحوها، ولم يتأخروا عن مصارحتها، وفهمت أسماء أن زوجها مريض بأحدالأمراض الوبيلة التي تنتهي بالشلل العام ثم الموت، إذا لم تُعالَج في شهورها، بل فيأسابيعها الأولى، وأنه؛ أي زوجها، قد وصل إلى الدور الأخير من المرض، وأن الأمل في شفائه ضعيف ولكنهم لن ييأسوا … وفهمت أسماء من الأحاديث الصريحة مع الأطباء أن العزوبة كثيرًا ما يحفل طريقهابالمزالق للشبان، وأن هناك مرضًا خطيرًا يبدأ بعلامات تافهة، ولكنه ينتهي إذا أهُمل بالدمار؛ لأنه يمزق الأعصاب ويبلي خلايا المخ، فيكون الجنون والشلل معًا. وخرجوا بعد أن أرقدوا الأستاذ أنيس على سريره، ونصحوا لزوجته بما يجب أن تفعل. 

ووجدت أسماء نفسها مع زوجها وحدهما، فأكبَّت عليه وهي تبكي وتقبِّله، وتخرج مكررة في تنهدات تمزِّق قلبها. « يا حبيبي » منها كلمة وواظب الأطباء على معالجته نحو شهر، وكانت أسماء تُعنى به عناية الحب؛ فكانتترقد إلى جانبه، وتحمل كل يوم طعامه إليه في السرير، وتمسحه بالكئول، وتغذِّيه بأطيب ما يحب من طعام، ولا ترضىللخادمة كي تغنيها عن بعض المتاعب في تنظيفه. ولكن كل هذا ذهب بلا جدوى؛ فإن المرضسرى في خلاياه البعيدة، وذات يوم هبَّمن فراشه يحاول أن يمشي فوقع، وجاء أحد معالجيه فقال إنه الشلل العام للمجانين. ولم يعد الأستاذ أنيس يعقل شيئًا؛ فإن عينيه كانتا تسددان إلى السقف، ثم تجري الكلمات على لسانه سائلة بلا ضابط. ومع أن أسماء كان يخالجها اليأس، فإنها كانت لا تزال تستمسك وتأمل ضد الأمل. وجاءت أمها ورأت المريض فتأسفت وبكت، وبقيت مع ابنتها. ومضت شهور، وأصبح الأستاذ أنيس في غرفته كأنه بعض الأثاث؛ ينظِّف جسمه، ويرتب سريره كل يوم. وكان الضيوف يأتون إلى البيت للمسامرة والمؤانسة، وكانوا جميعهم على وفاق في الصمت عن السؤال عن صحة الأستاذ أنيس. وأصبح الدكتور أنيس شبحًا في البيت، تحتويه غرفته، كلهم يدري علَّته، ولكن كلهم أيضًا يصمت ولا يذكره بكلمة. وكانت أسماء في الشهر الأول من علَّته لا تزال تحمل إليه طعامه، وتمسح عنقه، .«… بكره تشفى، بكره تقوم، حبيبي » : وتخلل شعره بأصابعها، وتتحدث إليه ولكنه كان ذاهلًا يتمتم بكلمات مغمغمة وعيناه إلى السقف. وجاء الشهر الثاني، فكفَّت أسماء عن الدخول إلى غرفته، ووكلت العناية به إلىخادمتها، ولم تكن الخادمة، على طيبة قلبها، قادرة أن تتجلد لهذه الخدمة المضنية؛ لأن الأستاذ أنيس لم يعد قذرًا فقط، بل لقد أصبحت قذارته تشبه النجاسة. ومضت سبعة شهور وهو على هذه الحال. ووجدت أسماء نفسها ذات صباح، وهي تتأمل حالته، تقول في صوت مسموع: حيوان، وأحست كأنها تريد أن تبصق، وسمعت أمها وهي تقول: لو أنه يموت! أجل، لقد فكرت أسماء كثيرًا، لو أنه يموت لأصبحت هي حرة تتزوج من تشاء؛ فإنها لا تزال دون الثلاثين، وقد زاد جمالها روعة وأنوثتها سحرًا. 

ولم يعد هناك بصيص من أمل في شفائه. وذات صباح نادت أسماء خادمتها وطلبت منها أن تنقل الأستاذ أنيس إلى غرفتها؛غرفة الخادمة التي تجاور المطبخ؛ حتى لا تتعب كثيرًا في العناية به، وعلى كل حال يجب إخفاؤه بعيدًا عن عيون الزائرين. وعادت الخادمة فحملته من السرير إلى حضيض الغرفة، فوقع كما لو كان كتلةمن الطين، ثم نقلت السرير، ثم حملته كما لو كان غرارة تحوي سَقَط المتاع، فألقته على سريره في غرفتها. ولم تعد أسماء ترى وجهه، وبقي نحو شهرين وهو لا يحس ولا يعقل، ثم ماتالأستاذ أنيس ودفن في الخفاء، وتنهدت أسماء وأمها والخادمة في ارتياح، ودبَّت الحياة في البيت من جديد، وكثر الزائرون من عائلات الشبان المرشحين للزواج. 





الفصل التاسع

الحيوان الذي كان إنسانًا



مات من كثرة الشراب والطعام، مات بعد خمسين سنة من العمر لم ينتج فيها سلعة ولم يؤدِّ خدمة. كنت أتحدث إلى صديقي، وكان وجوديٍّا، يقول بأن الإنسان مسئول وحده عن مصيره،وأنه هو الذي يصنع نفسه ويختار أخلاقه، وما يصيب من نجاح أو خيبة في الحياة إنماهو المرجع الأول والوحيد فيه، وهو إذا كان يعلل خيبته بعلل أخرى فإنما ذلك لأنه قدخاب، ولا يحب، أو لا يطيق أن يتحمل تبعة خيبته، فهو يحيلها على غيره جبنًا منه، وعجزًا عن مواجهة الواقع. وكنت أخفف من حدته الفلسفية هذه وأقول إن المجتمع يصنعنا؛ فهو يورثنا عقائددينية أو خرافية تلصق بنا طوال أعمارنا، وهو يعيِّن لنا أفكارنا وأخلاقنا بالكلمات التينستعملها، وننسى أنها هي أيضًا تستعملنا، وهو أيضًا؛ أي المجتمع، يعطينا المعلمينالذين يوجِّهوننا، ثم نحن نجد من الأصدقاء والصحف والكتب ما يوجِّهنا ويعيِّن لنا أهدافنا على غير دراية منا. نحن مسيرون ولسنا مخيرين. اسمع، مات لي » : ولكن صديقي الوجودي نهض من كرسيه واقفًا معترضًا، ثم قال قريب في السنة الماضية، وكان من سني، وقد نشأنا في بيئة واحدة، وكان أبوانا على ثراءومقام سواء، فلم يكن هناك اختلاف بين تربيتي وتربيته، وأنا أؤكد لك أننا؛ أنا وهو، كناإلى سن العاشرة أو الثانية عشرة لا نختلف في درجة التعليم أو الأخلاق أو الذوق، وكان توافقنا لذلك تامٍّا وصداقتنا متينة.

ولكن منذ هذه السن شرعنا نفترق ونختلف، وظلَّت اختلافاتنا تنمو وتتكاثر حتىفصلت بيننا، وقد بلغنا كلانا سن الخمسين في السنة الماضية، فمات هو بعد أن مرضت كبده، وقيل له إن علة المرضهي الأكل الكثير. أفهمتَ هذا؟ الأكل الكثير، مات من الأكل الكثير، مات حيوانًا بعد أن كان إنسانًا،أو على الأقل كان إنسانًا طوال مدة طفولته وصباه، فلا تقل إن المجتمع قد وجَّهه أوكان هو المسئول عن الحيوانية التي تردَّى فيها؛ فإنه حين كان عجينة تُعجن وتُصاغ،كان حسنًا، إلى سن الثانية عشرة، ولكنه حين شرع يفكر ويستقل ويتبصَّر اتجه نحوالاستهتار والشر، بل الإجرام، واتجهتُ أنا وجهة أخرى، وهأنذا أمامك، عشت في وسطالطفولة الذي عاش فيه، ولكني نظمت برنامج حياتي نظامًا آخر، والنتيجة أنه هو الآن في القبر، وأنا حي في صحتي وآمالي وثقافتي ومقامي. تركته في بداية الثالثة عشرة من عمرينا؛ لأني وجدت أنه قد عرف بعض الصبيان،وكان يخرج معهم في صبوات عجيبة استنكرتُها أنا وأقبل هو عليها؛ فكانوا يسرقون الشجر، ويؤلِّفون عصابات صغيرة لضرب خصومهم. والعجب أن نجاحه في المدرسة كان أكبر من نجاحي؛ فإنه حصل على الشهادةالابتدائية في حين أني رسبت؛ ولذلك لا يمكن أن تقول إني أذكى منه، ولكن عقب ذلك ابتدأتْ حياتي تسير في مراحل من الرقي، وابتدأتْ حياته تسير القهقرى. ولست أعني بذلك أني كنت خلوًا من الرذائل، أو أنه لم تكن لي صبوات، ولكنصدِّقني حين أقول لك إني كنت في العشرين أفكر كيف أكون في الخمسين؛ فكنت أدرس، وأتوقى الخمور، وأحاول أن أكون اجتماعيٍّا، وأن أدخر من مالي للمستقبل. كنت كذلك، أما هو فكان في العشرين يشرب الخمور ويرافق السكيرين واللصوص.وكان دخل كل منا يساوي دخل الآخر؛ بالميراث وليس بالكسب، فكان يسافر إلىأوربا للاستهتار، فإذا عاد إلى مصرقضىأيامه فيما بين المدينة والعزبة، فإذا كان بالعزبةسرق الفلاحين أو سحقهم أو اشترى عفة نسائهم، كانوا مساكين مغلوبين معه؛ لأنلقمة عيشهم كانت في يده، فإذا قصد إلى المدينة أنفق ما جمعه من العزبة، فكانت لياليهحمراء مع اللصوص الذين كان يسلِّطهم على جيرانه أو خصومه كي يحرقوا غلَّاتهم أو يسرقوا مواشيهم. أذكر أني لقيتُه ذات مساء قبل عشر سنوات، فدعاني إلى مرافقته، ومع اشمئزازيمنه قبلت الدعوة؛ كي أدرسه وأعرف إلى أين انتهى، فقادني إلى حانة، وهناك اجتمع 44

الحيوان الذي كان إنسانًا وكانوا من الريفيين الموسَرين، وجعلت أنصت بعناية لحديثهم، وكان كله « أصدقاؤه » به — تقريبًا — نوادر عن صبواتهم؛ فذكر أحدهم كيف اهتدى إلى شراء مقدار حسن منالحشيش، وذكر آخر شيئًا عن امرأة كانت له بها معرفة حميمة، وذكر ثالث تفاصيل نزهاته الليلية الأخيرة في الإسكندرية. وكانوا طيلة حديثهم يشربون الخمر كما لو كانت ماءً، ويأكلون في نهم كأنهمخراف تلتهم العلف، وكنت أشرب معهم وأضحك وآكل ولكن مع التقصير؛ لأني لم أكنقادرًا على اللحاق بهم، وكان تقصيري هذا، مع عجزي عن الإدلاء بنكتة طريفة تساعدهمعلى الضحك، ومع صمتي من وقت لآخر بما لا يتلاءم مع هذا المجلس ومرطباته — مدعاة لرثائهم لي. ونهضنا بعد منتصف الليل، وسلَّمت وودَّعت، وقصدت إلى الفندق وارتميت علىسريري، وجعلت أفكر وأتأمل؛ قريبي هذا قد استكرش وأصبح بطنه كالقربة المنفوخة،وتمثَّلتُ صورته وهو يأكل، حين امتلأ شدقاه بالطعام وانتفخ وجهه، وكان يتجشَّأويتحرك على الكرسي كأنه جثة مائعة فقدت تقاسيمها، ولم أتمالك الاشمئزاز، وعدت إلى ذاكرتي حين كنا صبيين نلعب. ولم يمضِ قليل حين عرفت أن جسمه عجز عن استهلاك الطعام الذي كان يأكله،فأضرب وصار يبول المواد النشوية التي كان يأكلها سكرًا خالصًا، ثم عجزتْ كبده عنالعمل، فأضربت هي الأخرى، وقد نصح له الأطباء بالإقلال من الشراب والطعام، ولكنه لم يطق ذلك، ومات في العام الماضي. مات من كثرة الشراب والطعام، مات بعد خمسين سنة من العمر لم ينتج فيهاسلعة ولم يؤدِّ خدمة، مات هو، وأنا حي، لقد تساوينا في فرصالطفولة والصبا، وورثناميراثًا يكاد يكون متساويًا، ولكننا افترقنا؛ لأنه هو اختار طريق الرذيلة واخترت أنا طريق الفضيلة. كل إنسان مسئول عن مصيره، كل إنسان ؛« بول سارتر » لهذا أنا وجودي، أنا مع .« يصنع نفسه ويصوغ شخصيته، هو حر، حر، حر وقلت، بعد أن تنهدت، لصديقي: لا يا صديقي، إنما هو المجتمع الذي يُسأل عنمصيره، أو عن جزء كبير منه، وهذه الحرية التي تعتقد بوجودها إنما هي وهم، وإنيواثق بأني لو عرفت التفاصيل لاستطعت أن أبيِّن لك أن قريبك هذا كان ضحية المجتمع الذي عاش فيه. 45

وحَسْبُك أن تعرف أن هذا المجتمع قد أتاح له الخمر الكثيرة، والطعام الكثير،وفرص السرقة من الفلاحين، ولم يعلِّمه، ولم يجبره على أن يكسب عيشه بعرق جبينه. أجل، لم يعلمه الشرف!

الفصول من 10 إلى 14



الفصل العاشر

ماتت 3 مرات



لماذا دفناه يا جلجل؟ رجعت أنا للبيت، هنا، وقلت: يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني وارحمني. لكن لله لم يرحمها. كانت أم مصطفى في الخامسة والسبعين، ضامرة، عجفاء، ولم يبقَ لها في الدنيا غير« جلجل » الذكريات، وكان مسكنها غرفة مظلمة في بدروم، ولم يكن يؤنسها غير القط الذي كان يعيد إليها هذه الذكريات. ولم يعد لها من سبيل إلى البقاء سوى تلك الكسرات من الخبز التي يتصدق بهاعليها السكان المجاورون، وكانوا أحيانًا يهملون، فتبيت على الطوى هي وجلجل، ولميكن لها أسنان؛ ولذلك كانت تبلُّ الكسرات بالماء، وتهرسها بأصابعها، ثم تبلعها بعدمضغ مزيف، وكانت تمضغ اللقمة بعد اللقمة، وتعطيها لجلجل؛ لأنها وجدت أنه لا يستمرئ الخبز المبلل فقط بالماء. وكان جلجل يثير هواجسها وأشجانها، وكانت تخاطبه، وتتحدث إليه، وتناقشه،كما لو كان قريبًا أو صديقًا؛ فقد حرمت الأصدقاء والأقرباء، وكانت الغرفة تطبق عليها بظلامها وصمتها. وكانت تستريح إلى الحديث معه؛ لأن شهوة البوح وبث النجوى كانا يخففان عنها؛ فكانت أحيانًا تضحك وأحيانًا تبكي، وفي كلتا الحالتين راحة، وكانت تقول: – إنت يا جلجل نسيت راجي؛ راجي ابن مصطفى، عيب عليك، ولله عيب! ومصطفى هذا كان ابنها، وكان يسمَّى مصطفى القهوجي، وكان له مقهى صغيريبيع فيه فنجان القهوة بربع قرش، وكان ربحه الصافي من هذا المقهى لا يزيد على عشرة قروش في اليوم.

وكان هذا المبلغ يملأ المنزل بالخبز والفول المدمس والفجل والجرجير، وهذا إلى أيامكانت كالأعياد؛ حين كان يشتري سَقَط الخروف أو أكارع العجل، وعندئذ تفوح روائحالطبيخ الدسم في الغرفة، ويأتي مصطفى فيأكل مع زوجته فاطمة الفتَّة الساخنة مع بعض اللحم المريء. وكانت أم مصطفى تزعم أنها لا تستطيع أن تمضغ اللحم، وكانت بالطبع تكذب،ولكنها كانت تفرح عندما كانت تعرف أن ابنها مصطفى قد أكل وشبع، وأن راجي، ابنه الصغير الذي لم يكمل السنتين، قد أكل أيضًا وشبع قبل أن ينام. كانت أيامًا هنيئة، تذكرها أم مصطفى بتفاصيلها الصغيرة، وكانت تذكر كيف أن القط جلجل خطف من راجي مزعة من اللحم. وقد مضى كل ذلك، فمات مصطفى ابنها، وماتت زوجته فاطمة، بل حتى الطفلراجي قد مات، وهي الآن تعيش مع جلجل؛ كلاهما قد لزم هذه الغرفة، وكأنه يعرف أنه لن يبرحها إلا إلى القبر، من القبر وإلى القبر. وكان القط بعد أن يأكل طعامه الذي مضغتْه له، وبعد أن يشرب، يرفع ظهره كأنه سنام، وينتفخ، ويتمسح بها، ويموء في لذة الشبع. وكانت هي تضمه وتتحسس فروته وتقول: – إنت نسيت يا جلجل؟ كان راجي دائمًا يقول قبل النوم: هاتولي جج، جج ينام معي، أنام مع جج، كان يسميك جج. ويموء القط حولها كأنه فهم ما قالته، وينام في حجرها، فتقول هي: – أنا مت ثلاث مرات يا جلجل، ثلاث مرات؛ المرة الأولى لما مات ابني مصطفى … وهنا تنفجر بالبكاء، ويتخضخض جسمها كله حتى يقع القط من حجرها، ويتراجع، وينظر إليها كأنه يستفهم: ماذا حدث؟ وترفع العجوز رأسها إلى سقف الغرفة وهي تقول: حرام، يا ربي حرام، أنا كانعندي غير مصطفى؟ حبلت به بعد سن الأربعين، وربيته، يا رب أخذته مني، أخذته مني ليه؟ ويعود القط إلى حجرها، وتنظر إليه وهي تقول في هدوء: – إنت فاكر مصطفى ابني يا جلجل؟ مصطفى أبو راجي، إنت فاكره؟ مصطفىحملك وأنت صغير، وجاء بك هنا من الشارع، وفرح بك راجي، ومصطفى كان يشتري لك كل يوم لبن بمليمين حتى كبرت. 48

ثم تقصُّ على جلجل كيف أن مصطفى ابنها كان رجلًا شهمًا لا يعرف الغش أوالسرقة، وكان يعيش بعرق جبينه، وخرج ذات يوم كي يشتري البن والسكر للمقهى، ولكن سيارة داسته وهو عائد، ثم تقول: – إنت فاكر يا جلجل؟ لا، إنت فاكر، تقدر تنسى؟ لما أدخلوه هنا وهو محمولوالدم على رجله؟ أنا وقعت على الأرض، وسمعت مصطفى وهو يقول: رشوا الماء علىوجه أمي، سمعته يا جلجل، أنا يومها، أقول لك بالحق، أنا مت أول موته، وبعدها أخذوه للمستشفى وقطعوا رجله. ويتمطَّى القط جلجل ويتثاءب. ثم تقص عليه كيف جيء به؛ بابنها مصطفى، بعد ذلك بساق واحدة، وكيف أنها حمدت لله على أنه لا يزال حيٍّا، ولو بعاهة، الحمد لله! ثم تعود إلى النظر في وجه جلجل وتقول: – لكن ربنا كان يكرهني! ولله يا جلجل أنا ما عملت شيء يسخط لله، لكن للهأحكام؛ لما رجع لنا مصطفى؛ أنا وفاطمة زوجته، فرحنا، فرحنا كتير، ولكن رجلهورمت، وانتفخت، وطلعت منها روائح، وجاء الدكتور وقال: لا بد من حمله الآن إلىالمستشفى، سامع يا جلجل يروح المستشفى، وكان الدكتور واقفًا يتأمل الغرفة وينظرإلى السقف والأرض، وبعدها قال لي: اسمعي يا ولية، اخرجي من هنا واسكني غرفة تدخلها الشمس، اخرجوا كلكم، هنا رطوبة وموت. وضحكت أم مصطفى ضحكة مُرَّة كلها علقم، وانقلبت الضحكة إلى بكاء وانتحاب، ثم هدأت ونظرت إلى جلجل وهي تقول: – اسمع يا جلجل، أخرج من هنا أنا وراجي وأمه ونسكن في بيت تدخله الشمس، كلام الدكتور. ثم تقص عليه التفاصيل: كيف أن أجرة هذه الغرفة 15 قرشًا فقط في الشهر،وكان ابنها يؤدِّيها وهو قادر، فلما مات بعد أن قطعوا ساقه العليا في المستشفى صار الجيران يدفعونها إحسانًا وتصدقًا، ثم ترفع جلجل على ساقيه الخلفيتين وتقول: – إنت فاكر يا جلجل لما قالوا لنا إن مصطفى ابني مات؟ كان موته بموتي، قل لله يرحمني، أنا مت يوم ما قالوا مصطفى مات. وهي تقص عليه في كلمات مخنوقة، وحلقها يغص بالبكاء، كيف أن الدنيا لم تعدبعد موته كما كانت قبلًا؛ كانت تأكل اللقمة بالفجل فتجد لها طعمًا، أما بعد ذلك فلم يعد لشيء في الدنيا طعم، ثم تنظر إلى جلجل وتقول: 49

– أنا أقول لك الحق، فاطمة زوجة مصطفى ماتت، تعرف ماتت ليه؟ من السل،ثم تقص عليه، وهي تترنح من عذاب الذكرى، وبدنها يميل ذات اليمين وذات الشمال،كيف أن فاطمة صارت تخدم في القهوة بعد موت زوجها، ولكنها بردت، ورسخ البرد فيصدرها، فكانت طوال الليل تسعل، حتى كان راجي يستيقظ من سعالها ويقول: ماما ماما، ويبكي. – وأنا كنت أحمله طول الليل وأمشي به حتى ينعس وينام. ويموء جلجل؛ لعله جائع، ولكن الذكريات تتزاحم على أم مصطفى، وتكاد تنفجرمن صدرها، وهي تقص عليه كيف ماتت فاطمة؛ فإنها تركت المقهى وباعوا ما فيه من كراسي وفناجين واشتروا الأدوية لها. – هو الدواء فيه فائدة يا جلجل؟ ثم تذكر أن الطبيب جاء وقال: اخرجوا من هذه الغرفة، وإن الرطوبة ستقتلهمكلهم. ولكنهم فقراء، وانقطعت فاطمة عن الطعام، وخمدت كما لو كانت شمعةوانطفأت، ولم تعد تأكل، وقبل أن تموت بيوم وقف إلى جانبها راجي فقبَّلت يده،وعضتها، حتىصرخ الطفل، ولما سألتها أم مصطفى عن السبب، قالت: أحب أنه يموت معي، أخاف عليه بعدي، آخذه معي. ولم تطق أم مصطفى هذه الكلمات، فبكت وهي تقول: – كان لها حق تخاف، كان لها حق تخاف. ثم سكتت، وعاد جلجل إلى حجرها يموء كأنه يترضَّاها بعد بكاءها، وأسندت ظهرهاإلى الحائط تستعيد أنفاسها، وبقيت صامتة بعض الوقت؛ لأن رأسها كان يدور من أثرالبكاء، وتتابعت الصور في خيالها: زوجة ابنها تقيء الدم، ثم تطلب ابنها راجي فتضمهإلى صدرها، وهنا تذكرت أنها عندما وثقت بأن فاطمة في لحظاتها الأخيرة تُسلِم الروحأرادت أن تنزع راجي منها، ولكن أمه حضنته وشدت عليه بيدها، فلم تستطع نزعه، ونظرت إلى جلجل وقالت في هدوء: – أنا مت الموتة الثانية يا جلجل لما دفنَّا فاطمة ورجعت ولقيت راجي بلا أم، راجييتيم، عمره أقل من ثلاث سنين بلا أم، وبلا أب، إنت فاهم يا جلجل؟ بلا أم وبلا أب! ولما رجعت قال لي راجي فين ماما؟ ماما فين يا جدة؟ وماء القط، ودار حولها، لا بد أنه كان جائعًا، وزاد مواؤه وعلا، وهنا تنبهتالعجوز، فنهضت وأحضرت كسرات من الخبز وبعض الماء وبللتها، ثم جعلت تمضغها 50

ما زالت به تمضغ له وتناوله حتى شبع، أما هي فلم تأكل، وقعد القط أمامها ومسحت فروته وهي تقول: – إنت فيك روايح راجي يا جلجل، إنت كنت كل ليلة تنام معه. ثم جعلت تقص عليه كيف أن راجي كان نور البيت، وكان مصطفى يحمله معهإلى المقهى، ويربطه بالكرسي، ويشتري له الحلوى، ومات مصطفى فكانت أمه تحملهإلى المقهى أيضًا، وتشتري له الكعك والبسكويت، ولما كان يعطش كانت تضع قطعة منالسكر في الماء وتسقيه، وبعد أن ماتت أمه لم يجد أحدًا يحمله إلى الشارع حتى يشمالهواء؛ لأنها هي عجوز عشواء ومقعدة، فكان طوال النهار معها بالغرفة، وكانت تلوك له اللقمة وتمضغها ثم تضعها في فمه كما تفعل مع جلجل. ثم في يوم ما جعل راجي يصرخ، ويسهل، وكان يضع يده على بطنه، وحمله أحد الجيران إلى الطبيب، فقال إنها دوسنطاريا، وأعطاه الدواء بالمجان. – وتِعرف يا جلجل، لما الدكتور فحص عن راجي قال: الطفل جميل، وكان جميلولله يا جلجل، كان جميل؛ كان أبيض في بياض مصطفى ابني، وكان سواد عينيه منسواد عيني أمه، وكان يضحك ويتكلم، وإنت عارف؟ الدكتور حضرعندنا هنا في اليوم الثاني وقال: فين الولد؟ حضر وحده من غير ما نطلبه، ولم يطلب منا قرشًا! تعرف ليه؟ هو أحب الولد،أحب راجي، ولما حضرقال: اخرجي يا ولية من الغرفة دي واسكني غرفة فيها شمس، لئلا يموت الولد، الولد يموت. أخرج أروح فين يا جلجل؟ أروح فين؟ أنا معي قرش؟ وعاد جسمها يتشنج بالبكاء. وكأن جلجل قد أحس بهذا الحزن الهائج في صدرها، فصاح هو الآخر: ماو، ماو؛ وكأنه يبكي معها. وارتاحت أم مصطفى إلى بكاء جلجل، ونظرت إليه وقالت: – أنا عارفه، إنت كنت حبيبه، كنت تنام معه كل ليلة. ثم قصت تفصيلات موته، موت راجي؛ فقد هزل من الإسهال، وهمد، حتى لم يكنيقدر على القعود في فراشه، وكان طول الوقت يقول: ماما، ماما، ثم كان أمر لله ومات.– لما دفناه يا جلجل رجعت أنا للبيت، هنا، وقلت: يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني وارحمني! 51

لكن لله لم يرحمها، فبقيت حيَّة تذكر مصطفى ابنها، ثم فاطمة زوجته، ثم راجي؛ الطفل الحلو الذي كان يمكن أن يكبر ويشتد ويدفنها هو. ثم مدت يدها إلى كومة من الملابس، فأخرجت قميص ابنها مصطفى فتشمَّمته،وقبَّلته، ومسحت به دموعها، ووضعته في حِجرها، ثم مدت يدها وأخرجت منديل الرأسالذي كانت تلبسه فاطمة، فجعلت تقبِّله، وتلحس قماشه، وتمضغه، كما لو كانت لقمةتؤكل، ثم نبشت الملابس وأخرجت قميصًا صغيرًا لا يكاد يملأ يدها، هو قميص راجي، فوضعته على صدرها وضمَّت يدها عليه وهي تقول: – مصطفى، فاطمة، راجي، يا ربي، أنا مت ثلاث مرات، خذني وارحمني! كلاهما ينظر إلى الآخر في عطف وحنان ،« عائلة » كانت أم مصطفى والقط جلجل وذكريات، وكان بينهما، من وقت لآخر، أحاديث وبكاء ومواء، ولقمة مبللة وجرعة من الماء. وكان الجيران يسمعون الأحاديث بينهما فيتحسَّر بعضهم ويتنهد، ويقول بعضآخر إن العجوز تخرف، وكان الصبيان يقفون عند الكوَّة الصغيرة التي تتصل منهاأضواء النهار إلى غرفتها ويستمعون إليها وهي تهذي أو تتحدث إلى جلجل، فيضحكون ويسخرون. ومضت الأيام والموت يدب في جسم أم مصطفى، فيُثقل ساقيها، ثم يغشي عينيهابالعمى، ثم يفكك خلايا مخها، حتى صارت تخلط أحلام النوم بأفكار اليقظة ولا تميز بينهما. ولم يعد الجيران يسمعون إلا الهمسات من القبر الذي كانت تعيشفيه أم مصطفى،ثم انقطع الهمس وماتت، وبقي القط جلجل، وكان يموء في الليل أكثر، كأنه كان يبكي، ثم مات جلجل، وانقرضت عائلة كانت تعيش في بدروم في مدينة القاهرة. 52





الفصل الحادي عشر

تجربة علمية



يرى النور ولا يحس النار، ويجد المعنى ولا يجد الجسم، وينظر إلى اللؤلؤ في الأعماق البعيدة، ولكنه لا يمس الماء القريب منه! كان نجيب طالبًا في معهد الفنون الجميلة، وكان يدرس الجسم البشري دراسة الفنانالذي يحاول أن ينقل إلى المتفرج ملامح النفس إلى جنب ملامح الجسم، بل هو لم يكنيبالي بملامح الجسم كثيرًا؛ فقد كنت أتأمل بعض رسومه فأجد المعنى المستتر أكثر مماأجد الصورة الواضحة، وأحس بالدلالة أكثر مما أحس بالتقاطيع، وأذكر أني نظرت إلىإحدى صوره فسَرَت في ظهري قشعريرة وقلت له: كأن هذا الرجل يحس ارتعاشًا في نفسه. فقال: هذا هو ما قصدت؛ إني أرسم النفس لا الجسم. وكنت أراه يرافق إحدى الطالبات، فقلت له: يا نجيب، احذر فتنة الجمال وأنت فيهذه السن؛ لأنك في الأغلب تشتهي أكثر مما تحب، وشبابك يحملك على الإعجاب بكلفتاة، ولكن بعد سنين سوف تجد أن الحب يبعث في نفسك ضروبًا أخرى من الإعجاب لن تجدها فيمن تعجب بهن في الوقت الحاضر. فقال: إن إعجابي بزميلتي، هناء، فنيٌّ؛ فقد أحلْتُ حبي لها إلى فن، بل إني أحاولأن أجعل حبي لها حبٍّا خالدًا لا ينطفئ، بقوة الامتناع؛ أنظر على بعد وأتحدث على بعد،وقد وجدت أن اشتغالي برسمها يساعدني على هذا الموقف منها، ثم لا تنسَ أنها هي أيضًا تشتغل برسمي. وفهمت من نجيب أنه يحب هناء حبٍّا جنونيٍّا، ولكنه يعتقد أن الحب يفسد وينتهيويموت إذا أطفئ؛ ولذلك يمكن بالامتناع والبعد أن يعيش هذا الحب، ثم وجد كلاهماأنه عندما يرسم أحدهما الآخر يتَّجه بكليِّته إلى استكناه الشخصية التي تستتر خلف

الجسم، وينظر من خلال العين إلى ما وراءها، ويحاول أن يفسر المعنى الأزلي في انفراج الشفتين، وأن ينقل إلى المتفرج الدلالة في تطلع الرأس أو انسجام العنق. وسمعته مرة يقول لهناء وهي ترسمه: عبرة الرسم وميزته على التصوير الفتوغرافي أن تستخرجي من شخصيتي وأن » تبيِّني ميزات الرجولة التي أمتاز بها؛ فإن الرجال في الظاهر سواءٌ في الرجولة، ولكنناعندما نخترق حجابهم ونتعمق ملامحهم نجد التباين العظيم بينهم: هذا شجاع، وهذاجبان، وهذا حذر متبصِّر، وهذا طائش أرعن، وهلم جرٍّا. وأنا حين أرسمك لا أبالي أنأنقل نقلًا صحيحًا عينيك أو أنفك أو صدرك؛ لأن القُمْرَة الفتوغرافية تفعل ذلك، وإنماأنا ألتفت إلى معنى التبصُّر في عينيك، وإلى معنى الأمومة في ثدييك، وهذا ما يجب أن .« تفعليه معي أنا؛ ارسمي قلبي وعقلي، ارسمي نفسي واستقر نجيب وهناء على هذا الموقف؛ كلاهما ينظر النظرة الفنية إلى الآخر، وفيالوقت نفسه ينأى ويعلو على ما اعتاد الناس من الحب؛ وذلك كي يبقى حبهما حيٍّا مشتعلًا لا ينطفئ أبدًا. وبقيا على هذا سنتين، ولم يتم أحدهما رسم الآخر، وكانا يجتمعان كل يوم نحوساعتين، يترجم كل منهما شخصية الآخر على اللوحة بالريشة والألوان، وهذا مع ما التزمه كل منهما تجاه الآخر من النأي والعلو والاحتجاز. وقلت: يا نجيب، هذا خطأ، هذا لا يدوم، إنك أزريت بالطبيعة، ورفست الحب بقدمك! فقال نجيب: ولكنه حب دائم، وبعد سنة أكون أنا وهناء قد تخرَّجنا، وعندئذ نتغير ونتزوج. فقلت: ولكن هل من الممكن أن تتغيرا؟ فقال: وهل في هذا شك؟ وكنت لحبي لنجيب أحب أن أصدِّق ما يقوله، فلما انتهت السنة وهنأته بالنجاحهو وهناء، قلت له: الآن كل شيء قد سار على ما تحبَّانه، وقد أتممتما الرسمين، فهلمَّ إلى الزواج. وأمَّن كلاهما على كلامي، وشرعا بعد أيام يتهيَّئان للزواج، ولكن بعد نحو شهرجاءني نجيب وهو يقول: أنا منكوب، أنا عاجز عن الزواج، بل إن هناء أيضًا تقول إن زواجنا لن يجدي. 54

تجربة علمية ولطمت وجهي عندما سمعت هذ الكلمات، فإن ما خشيته قد وقع؛ ذلك أنهما قدأفسدا حبَّهما، وأبدلا مجراه الطبيعي مجرًى آخر، هو المجرى الفني؛ فقد أمضيا نحوثلاث سنوات يقعد كل منهما أمام الآخر كل يوم، ولكن ليس كما يقعد الشاب أمامالفتاة، وإنما كما يقعد الفنان أمام الصورة أو الرسم؛ ينتقدها ويتعمق معانيها، يرىالنور ولا يحس النار، ويجد المعنى ولا يجد الجسم، وينظر إلى اللؤلؤ في الأعماق البعيدة،ولكنه لا يمس الماء القريب منه! أجل، لقد كفر كلاهما بالحب وزيَّفاه بالفن، وتعوَّداذلك! لا، لم يعد نجيب يحب هناء، وإنما صار يحب الرسم الذي كان يرسمه لها فقط، وهذا كان شأنها أيضًا معه. وقلت له: وماذا بقي من الحب؟ فقال: نحن صديقان. فقلت: لقد قمتما بتجربة علمية، ولكن الثمن الذي أديتماه فاحش؛ فقدتما السعادة وكسبتما التجربة. 55





الفصل الثاني عشر 

والدي العزيز 



وكان الدور الذي عزفتْه لنا من تأليف شوبان البولوني، ولم يدخل مخي،ولكن شادية قالت لي إني لم أتعوَّد الأدوار الأوربية، وعندما أتعوَّدها سأتذوقها. الإسكندرية في أول نوفمبر والدي العزيز أرجو أن تكون ووالدتي العزيزة وإخوتي في خير وعافية. لم أجد أية صعوبة في الالتحاق بكلية الطب، وقد تعرفت إلى بعضالطلبةوالطالبات، وبعضهم يتكرم عليَّ ويرافقني آخر النهار، فنجوب الشوارع ونتمتع برؤية البحر. وفي فرقتنا نحو خمسين طالبًا، منهم سبع من الطالبات، وجميعهن منالإسكندرية، وهنَّ يجدنَ المجاملة الرقيقة من الطلبة، وقد تعرفت إلى واحدةمنهن تدعى شادية، وهي ليست جميلة ولكنها ظريفة؛ لأنها عندما تضحكتبرز لها سن تحاول أحيانًا أن تخفيها بيدها كأنها تخجل منها، مع أني أعتقد أن هذه السن هي التي تجعلها ظريفة خفيفة الروح. أرجوك يا بابا أن ترسل إليَّ عشرة جنيهات زيادة على ما كنت طلبت لشراء الكتب والأدوات. سامي

الإسكندرية في 25 نوفمبر والدي العزيز أشكرك كثيرًا على إرسال المبلغ، وأرجو أن تكون ماما قد شُفيت من الرشح، وهي تصاب بالرشح في أول الشتاء من كل عام، تسليماتي الكثيرة إليها. استغربت كثيرًا عندما قرأت خطابك ووجدتك تحذرني من الزواج، وزاداستغرابي أنك ظننت أني أحب شادية، مع أني قلت لك في خطابي السابق إنها ليست جميلة وإنما هي ظريفة فقط! وأنا بالطبع لا أفكر في الزواج بتاتًا، وكيف أتزوج وأنا طالب؟ وحتى إذارغبت في الزواج فإن هذا لن يكون إلا بعد موافقتك أنت وماما وبعد البحث عن مركز العائلة التي أتزوج منها. أرجو أن تطمئن من هذه الناحية. سامي الإسكندرية في 22 ديسمبر والدي العزيز اتفقنا؛ خمسة من الطلبة وثلاث من الطالبات، وخرجنا أمس في نزهة إلىالمكس، وهناك قضينا أربع ساعات ونحن نلعب ونتنزه، وكان الطلبة في غايةالخشونة مع الطالبات، وكانت شادية معنا، وعندما رأت أن المزاح يخرج عنحدِّه تجنَّبت الطلبة وأبدت امتعاضها، والحق أن هذه الفتاة تمتاز بحياء لم أعرفه في جميع مَن عرفت من الطالبات هنا. وعندما عدنا إلى الإسكندرية كانت الساعة الثامنة مساءً، وكنا في أشد الجوع، وتناولنا أنا وهي بعض السندويتش في محطة الرمل. وبينما أنا أودِّعها إذا بوالدها يقابلنا، وقد قدمتني إليه شادية؛ وهو رجلمسن يقارب السبعين، وقد رأيت أن فمه يحوي السن البارزة التي تمتاز بهاابنته، ولم أتمالك أن ضحكت عندما رأيت سنه تبرز وهو يضحك كما تفعل ابنته بالضبط. وقد دعاني للزيارة، ولكني اعتذرت.58

والدي العزيز سلامي إلى والدتي وإخوتي سامي الإسكندرية في 5 يناير والدي العزيز قرأت خطابك، وثق أني مجتهد، وأن دروسي ليست صعبة، وأنا كنت أحيانًاأذاكر مع بعض الطلبة، ولكنهم كانوا يهرِّجون كثيرًا؛ ولذلك آثرت المذاكرة وحدي. ويوم الأحد الماضيدعتني شادية إلى أن أذاكر معها؛ لأنها لم تفهم شيئًا في كتاب الكيمياء، وقد ذهبت إلى بيتها وتغديت معها، وكان معنا والدها. ووالدتها تصغر زوجها بنحو عشرين سنة، وهي سيدة رشيقة متمدنة، والحق أن البيت كله متمدن، وجميع أثاثه أوربي الزي، وكان الغداء خفيفًا. وبعد الغداء عزفت شادية على البيان، ولم أكن أعرف أنها تعزف، وكانالدور الذي عزفته لنا من تأليف شوبان البولوني، ولم يدخل مخي، ولكن شادية قالت لي إني لم أتعود الأدوار الأوربية، وعندما أتعودها سأتذوقها. وبعد الغداء خرجت أنا وهي وسرنا معًا على الكورنيش، وكان حديثنا عن المحاضرات والسياسة. وعدنا إلى بيتها وذاكرنا المحاضرات معًا، وشرحت لها الصعوبة التي كانت تشكو منها في الكيمياء. سلامي إليكم جميعًا. سامي الإسكندرية في 25 فبراير والدي العزيز استغربت عودتك إلى تحذيري من الزواج، مع أني قلت إني لا أفكر في هذا الموضوع بتاتًا، وعلاقتي بشادية هي علاقة الزمالة فقط. كانت الإسكندرية هذه الثلاثين أو الأربعين يومًا الماضية فريسة للبردوالمطر والعواصف، وقد أنفقت كل ما كان لدي من النقود في شراء بعض 59

الملابس؛ حذاءين وجوارب وكرافتات ومناديل؛ لأني رأيت أن أعُنى بهندامي،فأرجوك أن تسعفني بعشرة جنيهات، وأتعهد بأني لن أطلب زيادة في الشهر القادم. سامي الإسكندرية في 17 مارس والدي العزيز أنا أنتظر مجيئك للإسكندرية بنافذ الصبر؛ وذلك كي تزور عائلة شادية؛فإني أحب أن يكون بيتنا متمدنًا مثل بيتها، مفروشًا بالأثاث العصري. ووللهيا أبي، إني لم أعرف امرأة في مثل الأدب الذي تتسم به والدة شادية، وهي تعاملني كما لو كنت ابنها، وتقول لي: إنت أخو شادية. وقد علمتني شادية العزف على البيان، ومع أني لا أقرأ النوتة كما تقرؤهاهي فإني حفظت دور شوبان عن ظهر قلب وأتقنته، حتى إن شادية نفسها تقول إني أعزف هذا الدور بأحسن مما تعزفه هي. ونحن نجدُّ في المذاكرة هذه الأيام، ونبقى إلى منتصف الليل ونحن نذاكر بينما تكون أمها ووالدها قد ناما. وقد قالت لي شادية إنها حين تتخرَّج ستفتح عيادة حرة في الإسكندرية، وإنها لن تتوظف. والغريب في شادية أنها ساذجة لا تتخذ من الملابس سوى البسيط الذيلا يلفت النظر، حتى الحذاء لا يرتفع على كعب عال، وهي تقص شعرها ولاتضع شيئًا من المواد المجمِّلة على وجهها، وشعرها يشبه شعر أمي كثيرًا،وأعني أنه ليس ناعمًا كل النعومة، وقد اعترفت هي بأن شعري أنعم من شعرها. سلامي إليكم جميعًا. سامي 60

والدي العزيز الإسكندرية في 31 مارس والدي العزيز قرأت خطابك، وقرأت تحذيرك لي للمرة المئة بألا أتزوج إلا بعد أن أتخرج. وأنا أعاني أوجاعًا وآلامًا هذه الأيام لا أكاد أطيقها؛ فإن الأرق يستولي عليَّ،وأحيانًا أبكي بلا سبب، وقد ساءت معدتي، وأحيانًا أنسى أن أتغدى، وبدلًامن المذاكرة، أو بعد المذاكرة، أخرج إلى الكورنيش وأسير عليه ساعات وأنا لاأدري ما أفعل، وقد قصدت إلى أحد الأطباء فقال لي إن في معدتي حموضة، وكتب لي عن الدواء، وأنا أرجو أن أشفى قريبًا. سامي الإسكندرية في 12 أبريل والدي العزيز أرجو أن تسامحني، لم أطق الصبر. تزوجت شادية، وأنا أقيم في بيت والديها، ونذهب كل يوم معًا إلى الكلية، وستحتاط هي حتى لا تحمل، وسنبقى بلا أولاد إلى أن نتخرج. أبي، سامحني، سامحني، سامحني. سامي 61





الفصل الثالث عشر

 لكن الله يرحمه 



للكن بالطبع — هذه الذكريات القديمة كانت تأتي في آخر المناقرة، وعندماتحس أن الموضوع الحاضرقد استنفذ كل ما يتحمل من ألوان البيان اللغوي. كانت للسيدة أنيسة فنون لغوية في المناقرة، وكانت تناقر زوجها في كل وقت؛ في الصباحعندما يتناول القهوة، وعقب الغداء حينما يحب أن يرتاح في سريره، وفي المساء أيضًاقبل النوم؛ حتى يحلم برقتها ولطفها، ولكنها كانت تختار وقت القيلولة عندما يكون موضوع المناقرة خطيرًا. وكان زوجها السيد راجي رجلًا في الخمسين، موظفًا في وزارة الأشغال، حيث كانيؤدي عملًا كتابيٍّا تافهًا، وقد التحق بهذا العمل حين كان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، وبعدسبع وعشرين سنة لم يزد مرتبه غير أربعة جنيهات، ولم يزد فهمه لعمله، أو لم يتفرعهذا الفهم إلى شئون أخرى تزيد اهتمامه؛ إذ كان عملًا متكررًا لا يخرج عن ثلاثة دفاتركبيرة، يملؤها كل يوم، في أعمدة معينة بكل ورقة منها، عما يصل إليه من مراسلات؛ولذلك، مع أنه كان ساخطًا على ضآلة مرتبه، فإنه لم يكن ليجد المبرر لزيادته، بل إنه كان يتساءل أحيانًا: لماذا زادوه أربعة جنيهات مع أن عمله لم يزد؟ وكان أسوأ ما يسخطه، من حيث لا يدري، أنه كان في تعس ذهني؛ إذ لم تكن لههواية تسرِّي عنه مضض العيش؛ فلم يكن مغرمًا بقراءة الصحف أو المجلات، ولم يكنمهتمٍّا بشئون السياسة، وكان انطوائيٍّا لا يحسن الصداقة ولا يتآلف الأصدقاء، فكان منبيته إلى مكتبه، ومن مكتبه إلى بيته، أو بالأحرى من زوجته إلى مكتبه، ومن مكتبه إلى زوجته!

وكان الجيران والزملاء في المكتب يظنون أنه رجل مستقيم، ولكنه هو كان يعرفنفسه أكثر؛ وهو أنه كان يكابد الحياة مكابدة بلا مسرات، وبلا استطلاعات، وبلا مغامرات. وكانت زوجته مثله، بل أكثر في مكابدة الحياة؛ لأن السأم كان يخيِّم على نفسهاكما لو كانت غيمة، وكانت تتأمل أحوال الناس فترى الأزواج يرتقون في الوظائف، أو يزدادون ثراءً إلا زوجها، هذا الزوج الراكد الذي لا يعرف غير الأكل والنوم. وكانت السيدة أنيسة تحس احتقارًا لزوجها، ولكنها لم تكن تعرف علاجًا يجعلهينتقل من الركود إلى الحركة والارتقاء؛ ولذلك كان هذا الاحتقار يتجسَّم أحيانًا في سبابجنوني، حتى لقد كانت تصفه بأنه بَقَّة يمص دمها، وأنه نحلة تلسع جلدها، وكان المسكين ينظر إليها وهو صامت؛ اعتقادًا بأن صمته يخفف من توترها. وكان الموضوع الذي يتكرر في المناقرة أن ابن عمها كان يريد أن يتزوجها، ولكنههو جاء لنحسها، وآثرته أمها عليه فتزوجها، مع أن ابن عمها الآن يبلغ مرتبه ضعف مرتب زوجها. وكذلك لم تكن تنسى أن أمه؛ أم زوجها، التي ماتت قبل خمس سنوات، كانت تعاكسها، وكان كل الناس يقولون له انفصل أنت وزوجتك عنها، ولكنه لم ينفصل. لقد عاشت مع أمه أكثر من عشرين سنة وهي في عذاب، ولم يرحمها هو، ولم ينفصل. ولكن — بالطبع — هذه الذكريات القديمة كانت تأتي في آخر المناقرة، عندما تحس أن الموضوع الحاضرقد استنفد كل ما يتحمَّل من ألوان البيان اللغوي! وكان الموضوع الحاضر أن أخته قد زارتهم، وأنها؛ أي السيدة أنيسة، كانت قدطلبت من زوجها ألا يزورها، وأنه لو كان قد استمع لكلامها لما زارتهم، وها هي قدجاءت أمس فجعلت تنتقد كل شيء، فقالت: إن زجاج النوافذ يحتاج إلى تنظيف وجلاء!بل دخلت المطبخ وسألت عما فيه، ولم تنسَ أن تقول: إن البصل قد فسد من الرطوبة،وأنه يجب أن يوضع في الشمس! ما شأنها هي؟ ولماذا تأتي إلى بيتنا؟ وهل ذهبت هي إلى بيتها ودخلت مطبخها؟! هل ماتت أمه وجاءت أخته كي تكون حماتها بدلًا منها؟! وكان السيد راجي معتادًا على هذه المناقرات، وكان يخفِّف من حدة زوجته بالنكتةأو الكلمة الرقيقة، ولكنه في هذا اليوم جاء متعبًا من مكتبه، فتناول غداءه وهو صامت، وآوى إلى سريره يريد الراحة. 64

لكن لله يرحمه وما هو أن انتهت السيدة أنيسة من تناول غدائها حتى هُرعت إليه، وقعدت علىكرسيإزاء السرير، وشرعت تعيد عليه بضعة ألحان قديمة بمناسبة بضع حوادث حديثة؛ لأن الشيء بالشيء يذكر. فقد حدث صباح اليوم أنها عرفت أن خادمتهم السابقة، التي تركتهم منذ سبعةشهور، تخدم هذه الأيام في بيت شقيقه، وأنها؛ أي السيدة أنيسة، كانت قبل ثلاث سنواتالتي كانت قد خرجت من بيت ابن عمه، ولكنه؛ أي زوجها، « أمينة » قد طلبت استخدام استنكف وقال لها: لا يجوز لنا هذا؛ لأن زوجة ابن عمي ربما تعتب علينا. والآن ماذا يقول؟ ها هي خادمتهم القديمة تخدم الآن في بيت شقيقه، لماذا لم يستنكفوا هم؟! إن معيشتها معه عناء وعذاب، ولو أنه كان يحبها لكان يسمع كلامها، ولكنه لا يحبها. وكان زوجها مستلقيًا على السرير لا يتكلم، وزاد هذا من غضبها، فأعادت كلامهاوارتفع صوتها، وكانت معتادة أن تجد الكلمة اللطيفة التي تخفف من حدِّتها، ولكن زوجها هذه المرة لم يرد، بل بقي صامتًا. وصاحت به، بعد أن تعبت: لماذا لا يرد؟ لماذا لا يقول الحق؟ ولماذا تعيش معه في هذا الذل؟ ولكنه لم يرد. ونهضت السيدة أنيسة وهي حانقة مجنونة، وهزته وهي تقول: رد! رد عليَّ. ولكنها أحست فيه جمودًا غريبًا، حتى صار جسمه كله يتأرجح يمنة ويسرة وهيتهزه، ففزعت وتراجعت للوراء، ونادت الخادمة، وجعلت الاثنتان تهزان السيد راجي، ولكن بلا جدوى؛ لقد مات. وبعد خمس سنوات كانت بالبيت زائرة، وجرى الحديث عن السيد راجي، فقالت أرملته السيدة أنيسة. كان دائمًا يعاكسني ويناقرني، حتى ساعة موته، قعدت ألاطفه وأسليه بالحديث، » !« فلم يرد عليَّ، ولكن لله يرحمه 65





الفصل الرابع عشر

 العمارة ليست ملكه 



عمارة لم تكن لتزيده أمانًا في الدنيا، أو صحة في الجسم، أو حكمة في العقل، أو رفاهية في العيش. كنت قاعدًا على قهوة جميلة في الجيزة، وكان الحر لا يطاق، وراقني منظر الكوبالممتلئ بالماء المثلج والذي تكاثفت رطوبة الجو على سطحه الخارجي بما يشبه الضباب،وأحسست ارتياحًا إلى هذا المنظر، فجعلت أتمزَّز الماء من غير عطش، وأنا ألتذ برودته، وأحس كأن حر الجو قد خف. وشربت القهوة في أناة وتبلد واسترخاء، وجعلت أتأمل نضرة الأعشاب وجمالالصبيان الذين يلعبون حول الموائد، وبينا أنا كذلك إذا بثلاثة قد دخلوا وقعدوا إلى مائدةجواري، وكان أحدهم شيخًا سمينًا معممًا يكاد الدم يثب من وجهه، وكان معه اثنان منالأفندية، وقد اتضح لي من حديثهم أنه مقاول ثري يملك عدة عمارات في القاهرة، وأنهذين الاثنين من مستخدميه، وكان صوته يعلو في غضب، ويده تدق المائدة وهو يجادلهذين العاملين اللذين يبدو أنهما قد أهملا بعض شئونه بحيث قد أدى هذا الإهمال إلى احتمال ضياع إحدى العمارات، وقال: – لو أنكم كنتم قد احترستم في كتابة العقد بيني وبين الشيخ مصطفى لما كناوقعنا في هذه القضية التي ربما نخسرها اليوم، أعوذ بالله يا ربي! خسارة 15 ألف جنيه، من يطيق هذا؟ وأنتم السبب؛ لو كنتم احترستم في كتابة العقد. وكان الأفنديان العاملان عنده يخففان عنه، وقال أحدهما وهو يتضاحك: – ولله يا شيخ محمد الدنيا بخير، إنت عندك خمس عمارات غيرها، إيراد كلواحدة منها فوق المئة من الجنيهات كل شهر، أكبر من مرتبات ثلاثة وزراء، افرح يا شيخ واتهنا.

ولكن الشيخ محمد بدلًا من أن يفرح حمي وغضب، ورأيت يده وهي ترتعش وتضرب المائدة من جديد بعنف، وهو يقول: – أنا أئتمنه وهو يخونني؟! الشيخ مصطفى كان عاملًا عندي قبل عشرين سنة،وكان يشكر لله على أني كنت أعطيه ثلاثة جنيهات في الشهر، ثم جعلتهشريكًا لي بقيمةالعشر، ثم الخمس، ثم النصف في المكسب، حتى اغتنى وأصبح مقاولًا مثلي! أنا انتشلتهمن الفقر إلى الغنى، أنا جعلته من الأعيان، أنا يخونني ويكتب العقد كي يخطف العمارة مني؟ هل هذا شرف؟ هل هذا عدل؟! وهنا قال له أحد الأفنديين: – إنت عندك خمس عمارات، تبكي على السادسة ليه؟ حتى لو خسرتها اليوم إنت غني عنها! وهنا زاد غضب الشيخ محمد، فرفس بقدميه، وضرب المائدة، وقال: – أخسر القضية ليه، أخسرها ليه؟ أنا صاحبها، ولله لو خسرتها هذا اليوم ليكون بيني وبين الشيخ مصطفى دم، دم، دم. وعاد الأفندي الآخر يهدئ من روع الشيخ محمد ويخفف عنه، ولكن الشيخ محمدكان ينتفض على كرسيه، ويده ترتعش، وقدماه تحفران الأرض، ويكاد الدم المحتقن يمزِّق وجهه ويَطفِر منه. وفهمتُ أن القضية معروضة هذا اليوم أمام المحكمة في القاهرة، وأنهم ينتظرون تليفونًا عن الحكم. ولم يمضِ قليل حتى جاء الجرسون وهو يقول: الشيخ محمد بك، تليفون. ونهض أحد الأفنديين، وغاب لحظة عاد بعدها وهو ساهم منكَّس الرأس، وهو يقول: – خسرنا القضية، وحُكِم لمصلحة الشيخ مصطفى. وهنا رأيت منظرًا ملأني كراهة ورحمة معًا؛ فإن وجه الشيخ محمد احتقن، وغشيتهزرقة، وجعل ينتفخ، ثم رفس ووقع على الأرض كأنه حيوان مذبوح، وانتفضت أنا وأنا أصرخ: ماء بارد، ماء بارد! وجعلنا نصب الماء على وجهه، وفككنا أزراره، وأغرقناه بالماء البارد، وتركنا أحدالأفنديين إلى المدينة يبحث عن طبيب، وصرنا نهز الشيخ محمد، ونقعده، ثم نلقيه علىظهره، ثم نفعل العكس، ولكن بلا أية فائدة، فإن المسكين كان قد مات بالنقطة أو بالسكتة، لا ندري. 68

وجاء الطبيب، فصدَّق على موته، وحُمِل المسكين جثة جامدة، وعدت أنا إلى مائدتي،وجعلت أنظر إلى المائدة التي كان عليها هؤلاء الثلاثة، وأتأمل هذا الشيخ محمد، السمين،الدموي، الذي يملك خمس عمارات، قد باع حياته كلها من أجل عمارة لم تكن لتزيده أمانًا في الدنيا، أو صحة في الجسم، أو حكمة في العقل، أو رفاهية في العيش. وكان جسمي لا يزال ينتفض، وحاولت أن أشرب قليلًا من الماء، ولكن يدي ارتعشت، فتركت الكوب وأنا أقول: – حرام عليك يا شيخ محمد، أيتمت أطفالك بطمعك وسوء عقلك، رحمة لله عليك! هذه الدنيا، هذه الدنيا!

الفصول من 15 إلى 19




الفصل الخامس عشر

 إلى المعاش 



أربعون سنة من عمره وهو قاعد إلى مكتبه يؤدي الأعمال التكرارية الكتابية كل يوم، وكانت ساقاه قد عرفت الروماتزم، وكان قلبه قد تضخَّم بالشحم، وكان فمه خلوًا من سنٍّ طبيعية. كان حسن أفندي موظفًا بمكتب البريد في كفر الزيات، وكان قد قارب سن المعاش؛ فهو يتوق إلى اليوم الذي يجد نفسه فيه حرٍّا لا يرتبط بمواعيد الصباح وبعد الظهر بالمكتب؛ وذلك حين يحال على المعاش. وكان يتردد على المكتب صعلوك من أولئك الصعاليك الشعراء الذين يجولون في شوارع المدن، ويتسكَّعون على أبواب المكاتب والمتاجر، ولم يكن يملك قرشًا واحدًا، ولكنهكان يعرف جميع الذين يملكون القروش في كفر الزيات؛ يزورهم ويأكل على موائدهم بعض نقودهم، ولم يكن أحد من هؤلاء المتيسرين يكره لقاءه؛ لأنه كان « يقترض » و على الدوام يحمل من الأخبار، ويروي من النكات، عن أعيان البلدة ما يجعله محببًا إلى القلوب. يتردد أيضًا على ،« غراب » وكان هذا الصعلوك، الذي كان يسميه جمهور عارفيه حسن أفندي، وكان يفرض عليه الضريبة التي يفرض مثلها على من يعرفهم في كفرالزيات، وكان عقب انتهاء العمل في مكتب البريد، حين يخرج حسين أفندي إلى القهوة، يوافيه هناك ويقعد إليه يتحدث معه عن السياسة والقيل والقال. وكان غراب شاعرًا وفيلسوفًا معًا؛ فقد انتهى إلى أنه يستطيع أن يستغل مواهبه فيالحديث، ومعارفه عن العيش، كي يعيش هو، ونجح في ذلك؛ فإن وجباته كانت مكفولة،كما كانت ملابسه محفوظة له عند جميع الذين يشترونها، فما هو أن يمر عليها عام أومنهم، ولكن العارية عنده لا تعود إلى صاحبها! « استعارها » عامان حتى يكون هو قد

ولم تكن غزواته مقصورة على كفر الزيات؛ فإنه كان أحيانًا يسأم المقام فيهافي دمنهور، وكفر الدوار، وطنطا، وشربين، وغيرها، « أصدقائه » ويخرج منها إلى زيارة وكان أحيانًا يسير إلى هذه المدن على قدميه بين الحقول، وأحيانًا يركب القطار. لأنه كان من ناحية يروي أبياتًا رائعة لحافظ ؛« شاعر » وكان يصف نفسه بأنه وشوقي، ومن ناحية أخرى كان يؤلف أبياتًا من الشعر موزونة، أو كالموزونة، بحيث يحوي البيت أحماضًا تلسع وتكوي إحدى الشخصيات التي تكون قد بخلت عليه. ولم يكن يفوته عدد من الجرائد أو المجلات التي تستحق القراءة؛ فإنه كان يستعيرها ويُعنى بردِّها، على خلاف عاداته في الاستعارة. وأصبح غراب شخصية مغبوطة عند البعض، ومحتقرة عند البعض، أو كانأصدقاؤه يحتقرونه، ولكنهم كانوا يكنُّون له حسدًا؛ لأنه يعيش ويستمتع بالدنيا بلا كدٍّ وبلا مواعيد وبلا مسئوليات وبلا هموم. وأتمَّ حسين أفندي الستين، وأحيل على المعاش، وودَّع زملاءه في المكتب وخرج، وتلقاهغراب وهنأه، ودعا له بطول العمر، وقصد الاثنان إلى القهوة حيث قعدا أكثر من ساعتين،وكان حسين أفندي فرحًا بهذه الحياة الجديدة، وكان يمنِّي نفسه أيام العمل بالمكتببأنه سيحيا عقب الإحالة على المعاش كما يحيا غراب، بل إنه سوف يستمتع بشيخوختهأكثر من غراب؛ لأنه لن يحتاج إلى أن يذل ويستجدي الطعام والشراب كما يفعل غراب.ولكنه كان يقارن بينه وبين غراب، مع فارق كان يجهله؛ ذلك أن غراب، الذي كانقد تجاوز الستين، كان لا يزال شابٍّا في صحة الجسم وتنبُّه العقل؛ فإن حياة الصعلكةوالتجوال التي عاشها كانت بمثابة الرياضة البدنية والذهنية التي تديم الشباب، أما هوفقد قضى أربعين سنة من عمره وهو قاعد إلى مكتبه يؤدي الأعمال التكرارية الكتابيةكل يوم، وكانت ساقاه قد عرفت الروماتزم، وكان قلبه قد تضخَّم بالشحم، وكان فمه خلوًا من سنٍّ طبيعية! وكان حسين أفندي أيضًا يعجز العجز كله عن أن يؤدي أي عمل يشغل به حياتهبعد المعاش؛ فلم يكن أمامه غير الترداد على القهوة طيلة النهار وبعض الليل، يتأمل المارة، أو يلعب ألعاب الحظ السخيفة. ومع أنه كان فرحًا ببلوغه سن التقاعد، فإنه لم يمضِ عليه ثلاثة شهور حتى كانقد سئم هذا الركود، فكان يستيقظ في الصباح، ويقعد على سريره، وينظر ساهمًا إلى 

جدار الغرفة ويقول: هل هذه حياة؟ إلى أين أخرج؟ إلى القهوة؟ وماذا أفعل؟ كما فعلتأمس وكما سوف أفعل في الغد؟ في كل يوم؟ أتأمَّل المارة ولعب الطاولة؟ وهل أبقى على هذه الحال إلى أن أموت؟ عشر سنوات؟ عشرين سنة؟ هذا هو البؤس! وجعل يتأمل حال غراب؛ إن غراب نشيط، نحيف، طروب، يتنقل من قهوة إلىقهوة، ويؤانس الناس ويضاحكهم، وهم يقدمون له الطعام والشراب راضين، بل هوينتقل من بلدة إلى أخرى ضيفًا على كل من يلاقيه، والجميع يحبونه ويستخِفُّون ظله،أما هو فإنه مقيد بالروماتزم لا يستطيع أن يمشي مئة متر حتى يكون قد لهث وعرق. إنه بلا شك أصغر سنٍّا من غراب، إذا كان العمر يقاس بالسنين، ولكن غراب يستمتع بالشباب كما لو كان في سن العشرين. ثم يعود إلى نفسه وهو في حسرة الأسف ويقول: لماذا لم أتعلم فنٍّا أو تجارة أمارسهاوأشغل بها وقتي؟ لماذا لم أتعوَّد الرياضة حتى أستعد لهذه الشيخوخة؟ أنا لست في المعاش، أنا في المرض! وخرج ذات صباح مبكر وقصد إلى القهوة التي لم يكن الخادم قد هيَّأ كراسيهابعد، فانتحى إلى كرسي متطرف، وقعد يجترُّ سأمه في ذهول، وإذا بغراب يحيِّيه تحيةالصباح في ضحك كأنه عصفور يغرد، وأخبره بأنه مسافر إلى دمنهور لقضاء يومين أو ثلاثة أو أسبوع، لا يعرف. وبعد أن شرب غراب معه القهوة نهض وسلَّم مودِّعًا. وتأمَّله حسين أفندي وهو يسير في خفَّة وسرعة، كأنما يرقص، وكأنه لا يحس أثرًا لشيخوخته، فامتلأ قلبه غيظًا من نفسه وحسرة عليها، ثم صمت وحاول أن يفكر. وبعد قليل، قال كأنه يخاطب شخصًا آخر: – كنت موظفًا محترمًا، وكان هو صعلوكًا شحاذًا، أما الآن فإني طريد الدنيا وهو خطيبها؛ إنه ينتظر الحياة وأنا أنتظر الموت! 





الفصل السادس عشر

 صوت الشيخ 



كنت أقرأ آلام نفسمصرية، هي واحدة من شعب حاول أن يرتفع من العبودية إلى البشرية، ولكن المستبدين والمستعمرين أبوا عليه ذلك! عندما رأيت صورته المعلقة إلى الحائط مَثُلت أمامي حياته الماضية، ولكني عندما تأملت وفاته وقفت مترددًا أيهما كان أجمل وأكثر عبرة: حياته أم مماته؟ فقد دعاني صديقي إلى زيارته في منزله القديم في عابدين، فلما دخلت المنظرة؛ أيغرفة الضيوف المجاورة للباب، وجدت هذه الصورة، وكانت لرجل في السبعين أو حواليذلك … ووقفت أتأمله طويلًا؛ فقد نقلت صورته وهي خالية من هذه اللمسات العصريةالتي تحيل كلامنا أمام العدسة الفتوغرافية إلى بطل، فكان رأسه منحنيًا، والغضون تملأوجهه، وفي عينيه همٌّ يرزح به وكأنه لا يطيقه، وسألت صديقي عنه، فقال: هو أبي، مات في 1908 ، في السبعين أو الثانية والسبعين. ؛ وزادني هذا الكلام إكبابًا على الصورة، وقلت في نفسي: مات في السبعين في 1908 أي إنه ولد في 1840 قبل نهاية ولاية إبراهيم ومحمد علي بثماني سنوات، رأى أول خطللسكك الحديدية، ورأى افتتاح قناة السويس، ورأى ثورة عرابي، ورأى فظيعة دنشواي،يا له من تاريخ! لو أن هذا الرجل كان قد كتب لنا تاريخ حياته، وذكر لنا ما انطبع فينفسه منها، لكانت لنا من هذه الحياة ذكريات ممتعة أليمة، كنا نعيش بها في السنين الماضية، ونقرأ بها تاريخ آبائنا وجدودنا. وعدت أتأمل الصورة، وجاءت القهوة، ولكني بقيت مكاني أتأمل هذا التاريخالقديم، وأقرأ في العينين والفم والجبهة، وفي هذا الانحناء بالرأس الذي يشبه الاستكانةوالتسليم — كنت أقرأ آلام نفس مصرية، هي واحدة من شعب حاول أن يرتفع من العبودية إلى البشرية، ولكن المستبدين والمستعمرين أبوا عليه ذلك!

وصارحت صديقي بإحساساتي، فقال: إذا كنت تتأمل صورته وتفكر في كل هذا الذي مر بحياته فاسمع إذن وتأمل في مماته. قلت: مماته؟ وماذا يكون في الموت؟ لقد استلقى على سريره ثم فاضت، هذه مسألة ساعة أو يوم. قال: لا، إنه كان يحب الشيخ سلامة حجازي. قلت: وأنا أيضًا كنت أحبه. قال صديقي: إن لموته قصة تحب أن تسمعها؛ ففي ذات يوم من 1908 ، وكنت أنافي العاشرة من عمري، وكانت أمي لا تزال حية، استيقظ في الصباح وقال إنه رأى الشيخسلامة حجازي في نومه، وإنه وبَّخه وعتب عليه أن يوافي الموت قبل أن يودعه، ثم بكى. قلت: خرف الشيخوخة؛ المسنُّون يبكون بسهولة لأقل الأسباب. فقال صديقي: أبي لم يخرف بتاتًا، بل مات وهو في كامل عقله وسلامة تفكيره؛فإنه مسح دموعه وقال مثلما قلت أنت إن بكاءه خرف، ولكنه في صباح اليوم التالياستيقظ وهو يقول: لم أعد أطيق هذا، ولما سألناه عاد إلى البكاء وهو يقول: الشيخسلامة حجازي جاءني مرة أخرى في الحلم وقال لي: كيف تموت قبل أن تراني؟ أهذا وفاء؟! ومع أني، أنا وأمي، كنا قد تلقينا الحلم الأول بالإهمال والاستهتار فإن هذا الحلمالثاني قد أثار فينا الاضطراب، فقالت أمي لي: اسمع يا إسماعيل، هذا المساء تذهب مع أبيك لحضور الشيخ سلامة. سنسمع، ودخلنا، وقعدنا في صف « رواية » وفي المساء ذهبنا، ونحن لا نعرف أية أمامي، وقعد أبي وكله آذان يستمع لأغاني الشيخ. وانطلق الشيخ سلامة يغني وكأنه عصفور قد خرج وانطلق من القفصالذي كانمحبوسًا فيه وصار يغرد، وصرت أحس كأن الجدران والسقف والأرض كلها تغني،وكانت قلوبنا تخفق ونحن في طرب يهزنا جميعًا، وقال لي أبي: في حلقي بكاء، ولكنيلن أبكي. وتماسك أبي حتى خرجنا، وركبنا الحنطور وهو يقول: الحمد لله، الآن أموت مرتاحًا! وانطلق الحنطور بنا إلى البيت، وكنا في منتصف الليل، والقاهرة هادئة نائمةمظلمة، والجو بارد طري، فانطلق أبي بالبكاء، وكانت دموعه غزيرة حتى لأحسست كأنه يريد أن يُخرج كل ما في نفسه من حزن ويسكبه على صدره.

صوت الشيخ فقلت له: أبي سنذهب غدًا ونرى رواية أخرى للشيخ سلامة. ولكن أبي قال: لا، حسبي هذا، لقد شبعت، لله يطيل عمرك يا شيخ سلامة! وتنهد واستراح وكفَّ عن البكاء. ودخلنا البيت، وتقبَّلت أمي أبي ضاحكة كما لو كانت تتقبَّل طفلًا قد عاد بعد أن اشترى لعبة، وضحك أبي ودخل ناشطًا إلى سريره ونام. واستيقظتُ في الصباح فوجدتهما؛ أبي وأمي، يشربان القهوة، وأبي يقصعليها ما رأى وما سمع في المساء السابق، وكان في نشوة واضحة وفي طرب لا يكاد يطيقه. ودخلت إلى غرفتي لألبس ملابسي استعدادًا للخروج، ولكني قبل أن أخرج قصدت إلى أبي حيث كنت قد تركته، ولكني وجدت أنه قد آوى إلى فراشه. وقالت أمي إنه قال إنه يريد أن يرتاح. وخرجت مطمئنٍّا، ولكن لم أكد أسير خطوات حتى أحسست كأن سيفًا يقطع رأسي ويقول: أبوك. ووقفت وأنا أرتعش، ثم هرولت عائدًا إلى البيت، وما إن دخلته حتى سمعتصراخ أمي: يا حبيبي. ووقفت أمام جثمان أبي وأنا جامد أخرس، ثم نطقت، وقلت: الحمد لله! لقد سمع أمس صوت الشيخ سلامة.





الفصل السابع عشر 

رؤيا 



ما أغرب هذه الحياة! الناس يقولون إن الزوجة تفرح عندما تموت حماتها، تصف حماتها في النعي بأنها أمها! « رؤيا » ولكن لما قرأت النعي في جرائد الصباح كذَّبت عيني؛ فقد وقفت عند هذه السطور: التي سعدتُ بحياتها ثلاثين سنة، « نعمى » أنعي إلى أصدقائنا أمي العزيزة وسأسعد بذكراها إلى يوم وفاتي. « رؤيا » وكنت أعرفهما، وأعرف السيدة المتوفاة نعمى، لم تكن والدة رؤيا وإنما كانتحماتها، وأعرف أيضًا أن عمْر رؤيا لا يقل عن خمسين سنة، ولو كانت السيدة نعمى والدتها لقالت إنها هَنِأت بحياتها خمسين سنة بدلًا من ثلاثين. وجعلت أتأمل النعي وأعود إلى قراءته، وقلت: ما أغرب هذه الحياة! الناس يقولونإن الزوجة تفرح عندما تموت حماتها، ولكن رؤيا تصف حماتها في النعي بأنها أمها! ولا بد أن القارئ قد استغرب هذين الاسمين: نعمى ورؤيا؛ فإننا قلَّما نجد الاسم الأول في مصر، أما الثاني فلا نعرفه، ولا نذكر أنه يطلق على فتاة مصرية. والواقع أنهما كانتا غريبتين؛ فإن السيدة نعمى كانت فلسطينية، وكانت قد جاءتمع زوجها وولديها إلى مصر قبل خمسين أو ستين سنة، ولما كبر ابناها وبلغا سنالعشرين، أو حوالي ذلك، فكرت أمهما في زواجهما، وكان أبوهما قد مات، وقصد الشابانإلى فلسطين كي يتزوجا من أقارب عائلتهما، ولكنهما لم يجدا في أقاربهما الفتاتين المنشودتين.

وبينما هما يهمَّان بالرحيل للعودة إلى مصر وجدا جِمالًا وخيامًا بالقرب من القرية التي كانت وطن أبويهما، فقصدا إليها للتفرُّج، وعرفا أن إحدى القبائل التي تضرب في جنوب فلسطين قد حضرت للنجعة، وأنها هي التي تملك هذه الجمال والخيام، فجعلا يتخللان الخيام ويتصفَّحان الوجوه، وكانت وجوهًا سافرة صريحة للرجال والنساء. ورأى كلاهما فتنة وجَمالًا في هؤلاء النساء البدويات، فجعلا يتحدثان إليهن، ويعجبان برقَّتهن، ويجدان حلاوة في لهجتهن العربية؛ فقد كان فيها من اللحن والغُنَّة والمد ما يشبه الدلال والغُنْج. ولم يبرحا فلسطين إلا بعد أن تزوج كل منهما فتاة من هذه القبيلة، وعادوا جميعًا إلى مصر. وفرحت أمهما بزواجهما، ووجدت في تعليم هاتين الفتاتين أساليب المتمدنين ما ملأ فراغها بالضحك والسرور؛ فقد كانت أخطاؤهما بدوية: أخطاء الفطرة التي لا تعرف شيئًا من التمدن ومركباته في السلوك والتصرف. وكان الجميع يعيشون معًا؛ الأم وابناها وزوجتاهما، ومع أن الحظ لم يسعد ابنيها بإنجاب الأطفال فإنهم كانوا يسعدون بالعشرة والألفة، وكان البيت يخيِّم عليه السلام، وتعمُّ أفراده الصداقة الحميمة، وكانت الأم مركز الحب والحنان للجميع. ثم دخل الموت هذا البيت؛ فمات الزوجان واحدًا بعد آخر في حمى التيفوئيد التي لم تمهل كلٍّا منهما أكثر من عشرين يومًا. وعمَّ البيت ذهول وصمت ووجوم، كأن الأم وزوجتي ابنيها، أو بالأحرى أرملتيهما،قد نسينَ الكلام؛ فكان التفاهم بالإشارة، وكانت وجبات الطعام تُنسى، وكان الليل يقلقه بكاؤهن، كل منهن في غرفتها. ومضى شهران، وقعدت نعمى في الصباح أمام زوجتي ابنيها، ثم بكت، ونهضت فغسلت وجهها وعادت إلى مكانها كأنها قد صممت على شأن، وأخذت أنفاسها وقالت لهما: – كل شيء بإرادة لله يا ابنتيَّ، لله أراد، لقد مضى على وفاة ابنيَّ شهران، وأنتما في الشباب، فلتذهب كل منكما إلى أمها، ولتنشد زوجًا، ولتبدأ حياة جديدة، وهذا حكم الله الذي لا يُرد، وهذا عرف الناس الذي يسيرون عليه، اذهبا تزوجا، وليبارك الله عليكما، وليعطكما ما حرمكما مع ابنيَّ. ولطمت الفتاتان وجهيهما، واستمر البكاء، وصار ثلاثتهن في مناحة. 

ومضت أيام، والسيدة نعمى تحض الفتاتين على ترك بيتها، واستجابت إحدى الفتاتين إلى طلبها، وتركت البيت، وعادت إلى أهلها في جنوب فلسطين، ولكن رؤيا أبت ترك حماتها، ورضيت أن تنزل عن الزواج كي تعيش معها، وقالت رؤيا: – هنا بيتي، هنا ذكرياتي؛ ابنك كان ينام معي في هذه الغرفة، سأبقى حتى أموت،أنام على المخدة التي كان يضع رأسه عليها، وألتحف بلحافه، وأشرب من كوبه، لا أستبدل بذكراه آخر، وسأعيش معك حتى يقضي الله بما يشاء. وبكت الاثنتان وتعانقتا، وعاشت رؤيا مع حماتها عشرين سنة، بعد عشر سنوات مع زوجها، وهذا هو المعنى الذي قصدتْ إليه حين كتبتْ في النعي إنها سعدت بحياة أمها نعمى ثلاثين سنة. وقاربت نعمى الثمانين من العمر، وأحست دبيب الموت، فجعلت تفكر في مستقبل رؤيا، وتتوسل إليها كي تتزوج، ولكن رؤيا كانت قد بلغت الخمسين، وأين تجد الرجل الذي يتزوج امرأة في الخمسين؟ وكانت رؤيا تأبى التفكير في الزواج، وتقول: لا تخشي شيئًا يا أمي بعد وفاتك؛فإني لن أعيش بعدك أسبوعًا أو أسبوعين، نحن حياة واحدة، ويجب أن نبقى كذلك إلى أن نموت. ولكن نعمى كانت، كلما أحست أنها تقترب من قبرها، تعود إلى التفكير في هذه الفتاة؛ لا بد أن تتزوج، وكانت تبكي وتتوسل إليها . وكانت نعمى تعرف رجلًا من معارف زوجها، وكانت سنُّه تتجاوز الستين، فبعثت إليه وحضر من فوره، وعرضت عليه نعمى الزواج من رؤيا، وقبل. ونهضت نعمى إلى غرفة رؤيا، وألبستها، وعطرتها، ورجَّلت شعرها، وجاءت بها إلى هذا الذي رشحته لزواجها، وعادت رؤيا شابة بها فتنة وسحر، وقعدت يتأملها خطيبها وقد أشرق وجهه بالسرور. وتم الزواج، بعد أن قبل الشرط الوحيد الذي شرطته رؤيا، وهو ألا تبرح منزل أمها نعمى، وقَبِل زوجها هذا الشرط، وعاش ثلاثتهم شهورًا إلى أن ماتت نعمى وهي هانئة بهناء رؤيا





الفصل الثامن عشر 

اختلفوا على الجهاز … 



ووجدتهم جميعًا ساهمين صامتين، كأنهم في مأتم وليسوا في عرس، وعندما قلت السلام عليكم لم أسمع رد التحية إلا من ثلاثة أو أربعة! كنت موظفًا في مركز بمديرية الغربية، وكنت على أحسن وأسعد ما أحب، ولكن المعاكساتالصغيرة التي يعتادها الموظفين جعلت مقامي في هذا المركز جهنم؛ فإن زميلًا لي كان قد جعل دأبه أن يناقرني مناقرة الضرتين، وكان يمشي بالنميمة بيني وبين زملائي من سائر الموظفين، وانتهيت إلى أنني يجب أن أسعى وأنتقل إلى مركز آخر، وكانت وظيفتي صغيرة، فلم يكن انتقالي صعبًا؛ لأن أمثالي يعدون بالمئات في المراكز، ويسهل الاتفاق مع أحد الموظفين على أن نتبادل مكانينا، ووجدت هذا البدل بسرعة موفقة، وكان المركز الذي نقلت إليه في مديرية البحيرة نائيًا نحو الصحراء الغربية. ومع أني وجدت صعوبات غير قليلة في المسكن والمأكل، فإني وجدت بعد نحو شهر سيدة أرملة تؤجِّر الدور الثاني من منزلها بأجر صغير، وعاينت المكان، ودرست الوسط، ووجدت أنه يوافقني، ونقلت كل ما أملك من أمتعة إلى مسكني الجديد. وكانت هذه السيدة الأرملة تشتري لي كل حاجاتي، وأحيانًا تطبخ لي ما تشتهيه نفسي، ووجدت في الموظفين الذين تعرفت بهم أنسة جديدة، تقارب الصداقة، لم أكن أعرف مثلها في مركزي السابق في مديرية الغربية. وكان يزورنا من وقت لآخر في مكتبنا في المركز مزارع يملك نحو عشرة فدادين،وكان ينفق علينا بسخاء ويسهر معنا، وكان يشرب الخمر بلا حساب، وكان مجونه ومزاحه يغلبان على حديثه.

وذات يوم، وكان يوم الخميس، كنت قاعدًا في غرفتي أرتاح بعد الظهر، وإذا بالسيدة الأرملة التي أسكن في منزلها قد صعدت إلى غرفتي ودقَّت الباب، ونهضت وفتحت لها، فبادرتني بقولها: الشيخ حسين أبو محمود في انتظارك تحت. ونهضت، ولبست ملابسي بسرعة؛ لأن الشيخ حسين أبو محمود هذا هو المزارع الذي ينفق علينا بسخاء. ونزلت أهرول وأنا أترقَّب مساء مليئًا بالأكل والشرب، وقابلني الشيخ حسين أبو محمود وصافحني في حفاوة مشرِّفة، وقال لي إني مدعو إلى منزل شقيقه هذا المساء بقريتهم؛ لأن بنته؛ أي بنت شقيقه هذا، ستتزوج هذا المساء، وأجبته بالإيجاب؛ إذ لم يكن من الذوق أن أرفض مثل هذه الدعوة، وسألته إذا كان قد دعا زملائي في المكتب، فقال: إنهم سبقونا إلى القرية، ولكنه جاء خصيصًا لي لأني لا أعرف الطريق. وركبنا عربة يجرها حصان مفرد هزيل، جعل يجرنا في بطء حتى وصلنا إلى القرية نحو الساعة الثامنة من المساء، وكنا في الشتاء، وكان الظلام حالكًا والبرد قارسًا، ودخلنا البيت ولم يكن هناك من علامات العرس سوى مصباحين كبيرين على الباب، واجتزنا الدهاليز العديدة حتى وصلنا إلى غرفة كبيرة، ودخلنا كلانا فوجدنا نحو عشرين رجلًا من الفلاحين والعرب، ووجدتهم جميعًا ساهمين صامتين، كأنهم في مأتم وليسوا في عرس، وعندما قلت السلام عليكم لم أسمع رد التحية إلا من ثلاثة أو أربعة. وقعدت على كرسي قريب من الباب، ثم رأيت الشيخ حسين أبو محمود يخرج ثم يعود، فينادي أحد القاعدين في صوت منخفض ويخرج، ثم يعود فينادي آخر، وأحسست بهرج لم أفهم معناه، وتطلعت أبحث عن أحد زملائي الذين قيل لي إنهم سبقونا فلم أجدأحدًا، وقدَّمني الشيخ حسين أبو محمود إلى شقيقه الذي سيُعقد زواج ابنته هذا المساء. وحدث هرج ثم ساد صمت، ودخل أحد المدعوين وهو ينتفض من الغيظ وهو يقول: خبيث، سافل، لئيم، يستحق الضرب بالرصاص. وخرج أحد القاعدين وقد أزبد فمه من الغيظ، وهو يصيح: ناس أولاد كلب، عدموا الشرف. ولم أفهم شيئًا من كل هذا، ولكني أحسست أن الجو لا ينبئ بالفرح والأكل والشربكما كنت أنتظر، ودخل عليَّ الشيخ حسين أبو محمود، وأخذني من يدي، وخرج بي إلى قاعة بعيدة وقعد إلى جانبي وقال: اختلفوا على الجهاز. فقلت: أي جهاز؟

فقال: العريس كان يطلب سريرين وسجادة عجمية، ولكن شقيقي أصر على سرير واحد وسجادة أفرنجية، وإلى الآن لم يحضر العريس، وقد بعثنا إليه فأقسم بأنه لن يحضر، وكلنا في خجل، وسيعرف أهل القرية كلهم في الصباح أن بنتنا تركها عريسها. فقلت: هذه والله كارثة! فقال الشيخ حسين: ليس الأمر كارثة، بل هو العار، نحن فلاحين، لكن فلاحين عرب، والعار سيبقى أبد الأبد لنا ولأولادنا. فقلت: الأمر لله يا شيخ حسين. فقال: ألا تصنع معروفًا، وتنقذ شرفنا وتتزوج هذه البنت هذه الساعة، ونحل هذه المشكلة بزواجك، ولو بضعة أيام؟ فكدت أضحك من هذا الاقتراح، ولكنه جعل يرجو ويتوسل ويقول إنه شرف العائلة . وبينما نحن في ذلك وإذا بفتاة، أو سيدة سمينة مبتسمة، تبلغ الثلاثين، قد جاءت تحمل كوبًا من الشربات وتقدمه لي، وقال لها الشيخ حسين: قبِّلي يد سيدك يا بنت. وقبَّلت يدي اغتصابًا بقوة وإجبار. وسحبني الشيخ حسين، كأنه يسحب خروفًا، إلى قاعة المدعوين، وأجلسني على كرسي، وقبل أن آخذ نفسي رأيت الفتاة السمينة المبتسمة تقعد إلى جانبي، والعقد يتمَّم في سهولة ويسر، كأننا كنا على ميعاد. وانبسط الحاضرون، وتكلموا، وأكلوا، وشربوا، وبت ليلتنا أنا والعروس معًا. وفي الصباح ركبنا العربات إلى بيتي في البندر، وبعد أيام جعلت أبحث عن العريس السافل الذي ترك عروسه من أجل الجهاز، فلم أجد اسمًا ولا خبرًا. وعرف زملائي ما حدث فجعلوا يضحكون ويسخرون مني، أما أنا فقررت بعد أن اتضح لي هذا النصب العلني أن أطلق زوجتي انتقامًا من الشيخ حسين وشقيقه. ولكن هأنذا بعد سبع سنوات لم أطلقها؛ إذ هي أم أولادي الثلاثة، وكلانا يحب الآخر ويحترمه، ويجد فيه أقصى ما كان يهوى من سعادة الزواج. ولكن شيئًا واحدًا فقط ينغص عليَّ، وهو أن الشيخ حسين عندما يشرب ويسكر يقص على مساهريه ومسامريه القصة على حقيقتها، ويفخر بأنه نصب عليَّ وزوَّجني بنت أخيه بخداعي بأني رجل شهم يجب أن أنقذ شرف العائلة، وأنه لم يكن هناك عريس، ولم يكن هناك خلاف على الجهاز. 





الفصل التاسع عشر 

موت عظيم 



إن له حقٍّا في أن يحيا على هذه الأرض كما نحيا نحن، بل لعل حقه أكبر من حقنا؛ إذ من يدري؟ فلعله قد ورثها عن آباء عاشوا نحو خمسين ألف سنة هنا، في هذه البقعة. حدثت هذه الحادثة في 1919 ؛ فقد كنت أقيم في الريف وأشتغل بالزراعة، وكانت عنايتنا كبيرة جدٍّا بالقطن الذي ارتفع ثمنه إلى خمسة وأربعين جنيهًا للقنطار، وحدث أن شكا إليَّ أحد المزارعين ذئبًا ضاريًا، يتعسس في الليل بيوت الفلاحين، ويفتك بما يجد من دجاج أو خراف أو ماعز، وطلب إلي أن أقتله. وخرجت قبيل الساعة الرابعة من الصباح، أنا وصديقي بهنساوي، نرصد هذا الوحش ونكمن له، ومعي بندقية صادقة لا تخطئ الهدف، وكان صديقي هذا بهنساوي،فلاحًا يبلغ الستين، وكان حكيمًا من أولئك الأميين الذين اكتسبوا من خبرة الدنيا ما يوهمك أنهم قد درسوا الكتب، وكانت له فراسة في الزراعة والأرض تُعجَب من صدقها، كأنه يبصر بما سوف تنتج. وكمنت أنا وهو خلف كومة من التراب نترقب، ولم يمضِ قليل حتى بدا لنا الذئب الذي كُلِّفت قتله، ورأيته يسير في خطوات سريعة لكن في غير هرولة، وكان عائدًا من صيد الليل إلى الجبَّانة القديمة التي يسكن في بعض قبورها. ورفعت البندقية، وسددتها إليه، وفتحت الزند، ولكني رأيتني أقف عن إطلاق النار،فإن شيئًا في هذا الذئب وقَّف يدي وجمَّد أصابعي؛ فقد كانت في وحشيته روعة وجمال،وأحسست أني إزاء عظيم من عظماء الطبيعة، بل إن الطبيعة نفسها كانت، بقطنها وقمحها، داجنة بالمقارنة إليه. وتلبَّثت أنظر إليه في إعجاب، وهو يسير برأسه المرفوع

وشهامته المتحدية، كأنه احتجاج على هذا التمدُّن الذي عمَّ حقولنا وأحالها إلى مزارع تجارية للقطن والقمح. وقال صديقي بهنساوي: اقتله، اقتله. ولكني أشرت إليه بالصمت، وجعلت أغذو عيني بجماله وروعته، واختفى الذئب، وتنهدت في ارتياح، وقلت لبهنساوي: إن مثل هذا الوحش لا يقتل. إن له حقٍّا في أن يحيا على هذه الأرض كما نحيا نحن، بل لعل حقه أكبر من » حقنا؛ إذ من يدري؟ فلعله قد ورثها عن آباء عاشوا نحو خمسين ألف سنة هنا، في هذه .« البقعة وجعلت أتحدث إلى صديقي حديثًا دينيٍّا عن الطبيعة والذئب، ولكنه نفض يديه في أسف كأنه يقول: أضعت الفرصة. وبقيت بعد ذلك أخرج، مع صديقي أو على انفراد، أكمن لرؤية هذا الذئب، أتحسس إحساس الطبيعة منه، وأجد في برودة الفجر وظلامه الأبيض، وفي النجوم الشاحبة التي توشك على الزوال، معاني قديمة حميمة كدنا ننساها بحياة التمدن التي نحياها. وانعقدت بيني وبين الذئب صداقة، وصارت لنا مواعيد للمقابلات في الفجر، بل إني كنت حين آوي في الليل إلى الفراش أذكر النهوض في الفجر، وأهنأ بهذه الذكرى، وأنام مطمئنٍّا إلى لقاء صديقي وهو يعدو شامخًا مهيبًا كأنه يتحدى التمدن. لقد أصبح هذا الذئب نداء الطبيعة ويقظة الضمير في قلبي، حتى لقد كنت أتحدث إلى نفسي بعيدًا عن الفلاحين، وأتساءل: بأي حق نخترع هذا الاختراع اللئيم، البندقية ، ونضع فيها سرٍّا مواد انفجارية، ثم نختبئ ونطلق هذه المواد على هذا الحيوان العظيم،فيموت وهو لا يرانا، يموت دون أن يجد الفرصة لأن يغرز سنٍّا من أسنانه البيضاء في أجسامنا؛ إن هذا لؤم ! إننا نعقد المصارعات والملاكمات، ونتسابق إلى قطع المانش سباحة، بل أحيانًا نصارع الثيران، وكل هذه المباريات تعود بنا إلى تلك الحال الوحشية التي كنا نحياها قبل عشرة آلاف سنة، وكنا مثل هذا الذئب، نخرج في الفجر وقد وضع كل منا حياته على كفه، فنصيد الوحش أو يصيدنا الوحش؛ البقاء للأصلح، وكنا نلقى مثل هذا الذئب، فإما حياتنا وإما حياته؛ تنازع البقاء. وكنا نموت على شرف، وفي ضوء النجوم الخافقة، في الفجر، وكنا نقع في أحضان الطبيعة. لا، بل بين أسنان الذئب أو الأسد، كنا نموت موتًا شريفًا عظيمًا، تصدِّق وتبارك عليه الطبيعة، وكأنها تقول: أحسنتم. 



أما الآن فنحن نموت موتًا مغشوشًا، مزيفًا، غير أصلي، نموت على الفراش، ثمنوضع على التراب، فتأكلنا الديدان على مهل مهين بدلًا من أن تنهشنا الذئاب في عجلة شريفة. وبقيت شهورًا وأنا هانئ بهذه الصداقة السرية بيني وبين الذئب، ولكني خرجت كعادتيفي أحد الأيام فلم أجده، وعمَّني القلق، وأطبق علي الخوف من أن يكون قد قُتل، وعدت كسيفًا. ولم تمضساعات حتى سمعت ضجة، وخرجت أبحث فوجدت غوغاء من الفلاحين يتصايحون في طرب، ويجرُّون خلفهم صديقي ميتًا على التراب. ووقفت في حزن أتأمل رأسه العظيم، وأسنانه البيضاء، وعينيه الحانقتين، وظهرهالأسمر، وبطنه الأبيض، وذنبه الأسود، وجعلت أتأمل كل عضو من أعضائه في حب وأسف. وقال أحدهم: مات مسمومًا؛ اشترينا له سمٍّا ووضعناه في فرخة ميتة فأكلها ومات. أي لؤم هذا؟ أي لؤم؟!